الرئيس اللبناني جوزيف عون وتحليل التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل

التفاوض المباشر بين لبنان و”إسرائيل”: قراءة جيوبوليتيكية في مبادرة جوزيف عون

في العلاقات الدولية، لا تلجأ الدول إلى التفاوض المباشر مع خصومها الأقوى إلا في حالتين: عندما تمتلك أوراق قوة كافية لفرض صفقة، أو عندما تدرك أن كلفة الاستمرار في الصراع باتت أعلى من كلفة التفاوض، ما يطرحه الرئيس اللبناني جوزيف عون حول إمكانية فتح مفاوضات مباشرة مع “إسرائيل” يندرج بوضوح ضمن الحالة الثانية.

المبادرة لا تمثل تحولا أيديولوجيا في السياسة اللبنانية، ولا انعطافة مفاجئة نحو السلام، بل هي، في جوهرها، استجابة واقعية لميزان قوى مختل فرضته الحرب الدائرة على الحدود اللبنانية – “الإسرائيلية”، وينبغي قراءة الطرح اللبناني لا كخطوة دبلوماسية بقدر ما هو مؤشر على أزمة سيادية داخل الدولة اللبنانية نفسها.

في المنطق الجيوبوليتيكي الصارم الذي تتبناه مدارس التحليل الواقعي لا تُفهم مثل هذه المبادرات إلا في إطار واحد؛ محاولة دولة ضعيفة إعادة إدخال السياسة إلى صراع أصبح يدار عسكريا خارج مؤسساتها.

أزمة السيادة اللبنانية

إعادة الصياغة مع تحميل إسرائيل المسؤولية

المعضلة الجوهرية التي يواجهها لبنان اليوم لا تنبع من توازناته الداخلية بقدر ما ترتبط بطبيعة السياسة “الإسرائيلية” تجاهه، فمنذ نهاية الحرب الأهلية، تشكل وضع إقليمي قوامه ضغط عسكري “إسرائيلي” دائم على الحدود اللبنانية، ما جعل مسألة الأمن والدفاع تتجاوز في كثير من الأحيان قدرة الدولة اللبنانية المحدودة على إدارتها بمفردها، ونشأت معادلة غير مكتوبة تتولى الدولة إدارة الشؤون الاقتصادية والدبلوماسية، بينما يظل ملف المواجهة العسكرية مع “إسرائيل” محكوماً بظروف الصراع المستمر وتداعياته الأمنية.

بقي هذا الترتيب هشا لكنه قابل للاحتواء طالما ظلت الجبهة الجنوبية ضمن مستوى ردع منخفض الشدة، حيث كانت الاشتباكات محدودة وتخضع لقواعد اشتباك غير معلنة، غير أن التصعيد الإسرائيلي الواسع خلال الأشهر الأخيرة قلب هذه المعادلة، وكشف هشاشة البنية الأمنية والسياسية التي حكمت الحدود اللبنانية لعقود.

عمليا يمكن فهم طرح الرئيس اللبناني لفكرة المفاوضات المباشرة كمحاولة لإعادة إدخال السياسة في صراع تحول تدريجيا إلى معادلة قوة تفرضها إسرائيل ميدانيا، فالرسالة الأساسية موجهة إلى المجتمع الدولي بأن لبنان يسعى إلى استعادة دور الدولة كطرف سياسي قادر على إدارة النزاع عبر الدبلوماسية، بدلا من أن يبقى ساحة مفتوحة لتصعيد عسكري تقرره “إسرائيل” وفق حساباتها الأمنية.

المعضلة الأساسية تبقى أن الدولة اللبنانية، بمواردها المحدودة وأزمتها الاقتصادية العميقة، تفتقر إلى الأدوات الكافية لفرض هذا التحول بمفردها، ما يجعل أي مسار تفاوضي محتمل مرتبطا بمدى استعداد القوى الدولية للضغط من أجل إعادة ضبط ميزان القوة على الحدود اللبنانية.

التفاوض كاستراتيجية دولة ضعيفة

في التحليل الواقعي للعلاقات الدولية، تلجأ الدول الضعيفة إلى ثلاث أدوات لموازنة اختلال القوة:

  1. التحالفات الدولية.
  2. الردع غير المتكافئ.
  3. الدبلوماسية الوقائية.

لبنان جرب الأداتين الأوليين بطرق مختلفة خلال العقود الماضية، فحزب الله مثل نموذجا كلاسيكيا للردع غير المتكافئ، بينما حاولت الدولة اللبنانية الاعتماد على الدعم الدولي والأوروبي.

لكن التطورات العسكرية الأخيرة أظهرت حدود المقاربات التي اعتمدتها السياسة اللبنانية لسنوات في إدارة الصراع، فالتفوق العسكري “الإسرائيلي” بقي عاملا حاسما في المعادلة، في وقت بدا فيه أن المجتمع الدولي أقل ميلا للانخراط المباشر في احتواء التصعيد أو فرض ترتيبات أمنية جديدة على الحدود.

في مثل هذه الظروف، تميل الدول الصغيرة عادة إلى توسيع هامشها الدبلوماسي بحثا عن مخارج سياسية للأزمات العسكرية، فالتفاوض المباشر لا يطرح باعتباره خيارا مثاليا أو مسارا مضمون النتائج، بل باعتباره أداة من أدوات إدارة الأزمات عندما تضيق الخيارات الأخرى.

يمكن النظر إلى الدعوة إلى التفاوض كجزء من محاولة لإعادة إدخال السياسة في معادلة يغلب عليها الطابع العسكري، أكثر من كونها تحولا استراتيجيا كاملا في مقاربة لبنان للصراع، فهي مقاربة أقرب إلى تقليل كلفة المواجهة ومحاولة ضبط مسارها، في ظل واقع إقليمي ودولي يترك هامشا محدودا أمام البدائل الأخرى.

قبرص كمنصة جيوبوليتيكية

اختيار قبرص كمكان محتمل للمفاوضات يحمل دلالات تتجاوز الجانب اللوجستي، فالجزيرة تقع في نقطة تقاطع بين ثلاث دوائر استراتيجية:

  • الشرق الأوسط.
  • الاتحاد الأوروبي.
  • شرق المتوسط الغني بالطاقة.

من منظور جيوبوليتيكي، تمثل قبرص مساحة وسيطة بين الصراع الإقليمي والنظام الدولي، وهذا يمنحها ميزة مهمة حيث يمكن للطرفين التفاوض دون أن يبدو الأمر كأنه اعتراف سياسي كامل أو خطوة تطبيع وبالنسبة للبنان، يوفر هذا الإطار غطاء أوروبيا يخفف الضغوط الداخلية، أما بالنسبة لـ”إسرائيل”، فهو يتيح إجراء محادثات تقنية دون تقديم تنازلات سياسية كبيرة، إنها، ببساطة، منصة إدارة أزمة.

العقبة الحقيقية

في الحسابات الاستراتيجية الصرفة، لا تبدو فكرة دخول “إسرائيل” في مفاوضات مع لبنان مستبعدة من حيث المبدأ، خصوصا إذا ارتبطت تلك المفاوضات باعتبارات أمنية واضحة أو بترتيبات ميدانية محددة، وشهدت السنوات الماضية مثالا على ذلك في مفاوضات ترسيم الحدود البحرية التي أظهرت أن قنوات التفاوض يمكن أن تفتح عندما تتقاطع المصالح الأمنية والاقتصادية للطرفين.

غير أن التحدي الحقيقي لا يرتبط فقط بإمكانية قبول “إسرائيل” بمثل هذه المحادثات، بل بقدرة لبنان نفسه على إدارة هذا المسار التفاوضي بوضوح مؤسساتي، فمجرد طرح فكرة المفاوضات المباشرة يفتح تلقائيا مجموعة من الأسئلة الحساسة:

  • من يمتلك التفويض الفعلي لتمثيل لبنان في مثل هذه المفاوضات؟
  • إلى أي مدى تستطيع مؤسسات الدولة ترجمة أي تفاهمات محتملة إلى سياسات قابلة للتنفيذ؟
  • وكيف يمكن التوفيق بين متطلبات التفاوض وبين التعقيدات السياسية والأمنية القائمة داخل البلاد؟

هذه الأسئلة لا تنتمي إلى الجانب التقني من العملية التفاوضية، بل تمس طبيعة النظام السياسي اللبناني نفسه، حيث تشكلت عبر العقود الماضية توازنات دقيقة بين مؤسسات الدولة ومراكز النفوذ المختلفة في المجالين السياسي والأمني.

أي مسار تفاوضي محتمل لا يتوقف فقط على استعداد الطرف الآخر للدخول في محادثات، بل على قدرة النظام السياسي اللبناني في بلورة موقف موحد وتحديد آليات واضحة لاتخاذ القرار وتنفيذه، وفي غياب مثل هذا التماسك تتحول المبادرات الدبلوماسية إلى اختبار جديد لتعقيدات المشهد الداخلي بقدر ما هي محاولة لمعالجة الصراع الخارجي.

ميزان القوى القاسي

التحليل الواقعي يفرض الاعتراف بحقيقة أساسية أن “إسرائيل” تدخل أي مفاوضات من موقع قوة، فالجيش الإسرائيلي يتمتع بتفوق عسكري واضح، بينما يعاني لبنان من انهيار اقتصادي عميق وضعف مؤسسات الدولة، وتبقى قدرة حزب الله العسكرية التي لا تغير المعادلة العسكرية الأساسية لكنها تخلق ظروفا استراتيجية مختلفة.

في مثل هذه الواقع تتحول المفاوضات إلى عملية لإدارة شروط الطرف الأقوى، وهنا تظهر المفارقة في المبادرة اللبنانية، فهي تعكس جرأة سياسية داخلية، لكنها تنطلق من موقع استراتيجي هش للغاية.

صراع على هوية لبنان الاستراتيجية

في نهاية المطاف، لا تتعلق مسألة التفاوض المباشر بإسرائيل فقط. إنها تعكس صراعاً أعمق حول هوية لبنان الاستراتيجية، وهناك تصوران متنافسان لموقع البلاد في النظام الإقليمي:

  • الأول يرى لبنان جزءا من محور إقليمي تقوده إيران، حيث تشكل المقاومة المسلحة عنصر الردع الأساسي.
  • الثاني فيرى لبنان دولة صغيرة في شرق المتوسط تحتاج إلى الاندماج في النظام الدولي والاقتصاد الإقليمي لتأمين استقرارها.

مبادرة التفاوض تمثل بوضوح محاولة لترجيح الكفة لصالح التصور الثاني، لكنها تواجه عقبة أساسية: التوازن الداخلي في لبنان لم يُحسم بعد لصالح أي من هذين الخيارين.

السياسة تعود… لكن متأخرة

من منظور جيوبوليتيكي بحت، يمكن قراءة مبادرة جوزيف عون كعلامة على عودة السياسة إلى صراع أصبح يدار عسكريا منذ أشهر، لكن هذه العودة تأتي في ظروف غير مواتية، فالدول عادة تدخل المفاوضات عندما تمتلك أوراق قوة واضحة، أما لبنان اليوم فيدخلها إن حدثت من موقع يسعى أساسا إلى وقف النزيف وليس إعادة رسم التوازنات.

السؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كانت المفاوضات ستحدث، بل أي لبنان سيخرج منها إن حدثت.

مخطط لبنان: التفاوض تحت النار
التفاوض تحت النار: مبادرة جوزيف عون
لبنان بين أدوات الدولة الضعيفة وضغط ميزان القوة · قراءة جيوبوليتيكية من مدارس الواقعية
“الدول الضعيفة تلجأ إلى التفاوض عندما تدرك أن كلفة الاستمرار في الصراع أعلى من كلفة التفاوض”

1 فكرة عن “التفاوض المباشر بين لبنان و”إسرائيل”: قراءة جيوبوليتيكية في مبادرة جوزيف عون”

  1. ميرنا سلام

    ما بيحكم عالمنا العربي غير الصهاينة يخجل من حاله الثاني بعد نواف سلام يروح يوجد موقف قوي ضد اسرائيل ويشوف كيف رح تخفف عنف لانه توحيد الموقف يصل للخارج وتبدأ الضغوط على اسرائيل اما خائف يغتالوا يخاف بالحالتين ستغتاله المقاومة لمواقفه الصهيونية اذا لم تغتاله اسرائيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *