أعاد إنهاء عقود 223 عاملا في شركة مصفاة بانياس السورية طرح سؤال جوهري حول طريقة إدارة المؤسسات العامة في المرحلة الانتقالية.
القرار لا يقف عند حدود علاقة تعاقدية بين إدارة ومنتسبين مؤقتين، بل يمس بنية مرفق استراتيجي في قطاع الطاقة، ويكشف طبيعة المنهج المتبع في إعادة تشكيل الجهاز العام، فهل تدار المؤسسات بمنطق الحوكمة والكفاءة والعدالة، أم بمنطق الضبط الإداري وإعادة توزيع النفوذ داخل الدولة؟
تكتسب مصفاة بانياس خصوصية واضحة لأنها ليست دائرة خدمية صغيرة يمكن تعويض كوادرها سريعا، فهي منشأة إنتاجية ذات حساسية اقتصادية، وترتبط بسلاسل إمداد الطاقة، وتحتاج إلى تراكم خبرات فنية وتشغيلية لا يبنى بقرارات عاجلة، فإخراج هذا العدد من العمال دفعة واحدة يطرح أثرا على المؤسسة يتجاوز الأثر الاجتماعي المباشر على الأسر المتضررة.
منطق السياسات العامة الحديثة
تتعامل المدرسة الحديثة في السياسات العامة مع القرار الإداري بوصفه تدخلا داخل نظام معقد، لا إجراء منفصلا ينتهي بمجرد توقيعه.
كل قرار في مرفق حيوي يترك أثرا يتجاوز حدوده الإدارية المباشرة، لأنه يمس التشغيل والخبرة والثقة العامة في آن واحد، ووفق هذا الاتجاه تقاس جدوى القرار بكلفته الكلية، ابتداء بمن يتحملها ويستفيد منها، وما أثرها على قدرة المؤسسة بعد أشهر من التنفيذ؟
يفرض هذا المنهج قراءة القرار ضمن شبكة آثاره المتداخلة، لا كإجراء إداري منفصل، فالعمال المسرحون ليسوا أرقاما في جدول عقود، بل خبرة تشغيلية متراكمة يصعب تعويضها بقرارات إدارية سريعة، وخسارة هذه المعرفة لا تظهر فورا، لكنها تتراكم لاحقا في صورة أداء أضعف وكلفة تشغيل أعلى.
رأس المال البشري لا يدار كفائض
ضمن مقاربة بسيطة فإن رأس المال البشري في المرافق الاستراتيجية لا يمكن فصله عن الأصل إنتاجي، ويظهر هذا الأمر بوضوح في قطاعات النفط والطاقة، حيث لا تقاس الخبرة بمدة الخدمة وحدها، بل بدورها في حماية استقرار التشغيل، واختزال العامل المؤقت في صفته القانونية يتجاهل قيمته الفعلية داخل المؤسسة.
تحمل العقود المؤقتة في مؤسسات الدولة السورية مفارقة بنيوية، فالعامل يبقى سنوات في موقع ثابت، يؤدي عملا دائما، ويتحول فعليا إلى جزء من البنية التشغيلية، بينما يبقى قانونيا في وضع ضعيف، وهو ما منح الإدارة قدرة واسعة على الاستغناء عنه، فهناك خلل في تصميم سوق العمل داخل القطاع العام، والسياسة الرشيدة لا تستخدم هشاشة العقد لتصفية القوة العاملة، بل تعيد تصنيف الوظائف بحسب الحاجة الفعلية والمهارة والخبرة والأثر المؤسسي.
العدالة التوزيعية ومخاطر الفرز الاجتماعي
في بانياس، السؤال الجوهري ليس كم عاملا غادروا المصفاة، بل من هم هؤلاء العمال، ومن بقي مكانهم، وكيف قرئ القرار في محيطهم الاجتماعي.
عندما يقع العبء على فئة بعينها، يتحول الإجراء الإداري إلى مؤشر سياسي يمس معنى العدالة داخل الدولة، فتكتسب الاتهامات حول استهداف غالبية من خلفية اجتماعية محددة خطورتها، لأنها تضع القرار في قلب معركة الثقة بين المؤسسة والمجتمع.
حين يشعر العامل بأن خروجه لم يكن نتيجة معيار مهني واضح، تتجاوز الخسارة حدود الراتب، ويصبح القرار في نظره إشارة إلى موقعه داخل الدولة الجديدة، فهل هو مواطن له حق متساو في العمل والإنصاف، أم فرد قابل للاستبعاد بسبب خلفيته أو موقعه الاجتماعي؟
مع تكرار هذا النمط، لا تتضرر الأسر وحدها، بل تتآكل الثقة بالمؤسسات، وتبدأ قطاعات من المجتمع في قراءة الدولة كأداة فرز لا كضامن للمواطنة المتساوية.
الحوكمة لا تعني السيطرة
في المؤسسات الحساسة، لا تقاس الإدارة بما تقرره فقط، بل بالطريقة التي تمرر بها القرار إلى الناس.
كان يمكن لقرار بهذا الحجم أن يدار كعملية انتقال محسوبة عبر لقاءات داخلية، وشرح للمعايير، وباب اعتراض، وتسويات فردية، وخطة تحافظ على الخبرات التي لا تعوض سريعا، لكن ما حدث بدا كقطع مفاجئ في جسد المؤسسة، فأسماء تخرج دفعة واحدة، وعائلات تفقد دخلها، وعمال باقون يقرأون الرسالة بصمت.
في بانياس، لم تكن الإدارة أمام خيار واحد، فكان يمكن نقل بعض العمال إلى مواقع أخرى داخل المصفاة، أو إعادة تأهيل من تحتاجهم الأقسام الفنية، أو إبقاء أصحاب الخبرات الحرجة، أو فتح مسار تقاعد اختياري، أو تنفيذ الخروج على مراحل تحفظ الحقوق وتمنح المؤسسة وقتا لاستيعاب الصدمة.
الإنهاء الجماعي اختار الطريق الأسرع؛ قرار إداري يختصر الناس في خانة “عقود منتهية”، ثم يترك خلفه سؤالا أكبر من الوظيفة نفسها، فهل تدار الدولة بمنطق المؤسسة أم بمنطق الفرز؟
المخاطر التشغيلية في المنشآت الحساسة
في المصفاة، لا يشبه العمل إدارة ملف على مكتب، فكل وردية ترتبط بأخرى، وكل وحدة تشغيل تعتمد على صيانة دقيقة ورقابة لا تحتمل الارتجال، فالخبرة شرط لاستمرار المنشأة من دون ارتباك.
حين يخرج عدد واسع من العمال دفعة واحدة، لا تظهر الفجوة في اليوم الأول بالضرورة، لكن المؤسسة تبدأ بخسارة ما لا يسجل في الجداول.
في منشآت الطاقة، تصنع الكوادر الوسطى استقرار العمل من دون أن تظهر في واجهة القرار، وحين تستبدل هذه الحلقة دفعة واحدة، لا يكون الأمر تجديدا إداريا بالضرورة، بل مخاطرة بسلسلة خبرة بنيت على مدى سنوات. وكلفة هذه الفجوة لا تبقى داخل المصفاة؛ إنها تنتقل سريعا إلى المؤسسة والاقتصاد والمستهلك.
الثقة كأصل من أصول الدولة
الثقة في مؤسسات الدولة جزء من قدرة الإدارة على تمرير القرارات الصعبة من دون أن تتحول إلى أزمة شرعية، وحين يقرأ قرار كهذا بوصفه انتقائيا أو قائما على الولاء، لا يبقى أثره محصورا في من غادروا العمل، ويمتد إلى من بقوا أيضا، فيعيدون حساباتهم، ويتعاملون مع المؤسسة بحذر، لا باعتبارها مكانا آمنا للإنتاج.
يفتح ملف بانياس شرخا داخل المصفاة وحولها، فالعامل المسرح يرى في القرار إقصاء، والعامل الباقي يخشى أن يكون الدور عليه، والعامل الجديد يدخل إلى بيئة تنظر إليه عبر موقعه لا عبر كفاءته.
تفقد المؤسسة جزءا من معناها، من فضاء عمل مشترك إلى مكان يتجاور فيه الناس تحت سقف واحد، لكنهم لا يثقون بالقواعد التي تحكمه.
من إصلاح الدولة إلى إعادة بناء العقد الاجتماعي
تحتاج سوريا إلى إصلاح إداري عميق لا يترك خلفه شعورا بالظلم، فالدولة التي تريد ترميم مؤسساتها لا تستطيع أن تستخدم الوظيفة العامة كأداة لمعاقبة بيئات اجتماعية أو إعادة ترتيب الولاءات.
في المراحل الانتقالية، لا يكون القرار الإداري مجرد بند في سجل الموارد البشرية؛ يصبح إشارة إلى شكل الدولة التي تتكون، وإلى من يشعر بأنه داخلها أو خارجها.
ينجح الانتقال السياسي حين تطمئن الإدارة الجديدة من يخشون الخسارة، لا حين تكتفي بمكافأة الأقرب إليها، فالدولة المستقرة لا تسأل الموظف لمن تنتمي؟ بل: كيف تؤدي عملك؟ وحين تصبح الوظيفة العامة مكافأة للموالين، تفقد المواطنة معناها كحق، وتتحول إلى إذن تمنحه السلطة وتسحبه متى شاءت.
يكشف قرار مصفاة بانياس أزمة أعمق من خلاف عمالي؛ اختارت الإدارة أداة حادة لمعالجة ملف حساس داخل منشأة استراتيجية وفي بيئة انتقالية مشحونة.
لا تقف تداعيات القرار عند تقليص عدد العاملين، بل تمتد إلى الثقة بالمؤسسة، واستقرار التشغيل، وحماية الخبرة، ومعنى العدالة داخل القطاع العام، فالإصلاح الحقيقي يربط الكفاءة بالإنصاف، والتغيير بالمساءلة، وإعادة الهيكلة بصون رأس المال البشري.
أما تحويل العقود المؤقتة إلى مدخل لإعادة تشكيل الولاء، فينقل الأزمة من الإدارة إلى الشرعية، ويجعل بانياس اختبارا مبكرا لشكل الدولة المقبلة؛ دولة مؤسسات تتسع لمواطنيها، أم إدارة انتقالية تعيد توزيع الخوف داخل المرافق العامة.

