تكشف الإجراءات المتداولة بحق عاملين في مصفاتي بانياس وحمص عن قضية تتجاوز عدد المشمولين بها.
يحمل قرار بانياس المتداول الرقم 939 وتاريخ 6 آب 2026، ويعد العاملين الذين كانوا يؤدون الخدمة الإلزامية أو الاحتياطية في 8 كانون الأول 2024 مكفوفي اليد منذ ذلك التاريخ، مع وقف أجورهم من 1 كانون الثاني 2025، أما معلومات حمص فتفتقر إلى قرار منشور أو قائمة أسماء تسمح بتثبيتها مستقلة عن مصدرها الأول.
يطرح هذا النمط سؤالا عن طريقة بناء الدولة بعد سقوط النظام السابق، فهل تعالج الإدارة ملفات الغياب والرواتب، أم تستخدم الوضع العسكري للعامل لإعادة فرز موظفي المؤسسات العامة؟
ترجح المعطيات تداخل الهدفين، لكن غياب المعايير وآلية الاعتراض يدفع الإجراء نحو ربط الوظيفة بالموقع السابق من السلطة بدل المسؤولية الفردية والكفاءة.
8 كانون الأول يتحول إلى معيار وظيفي
يمثل اعتماد 8 كانون الأول 2024 نقطة التحول الأساسية، فتحول التاريخ من فاصل سياسي بين مرحلتين إلى أداة لتصنيف الموظفين بين عامل كان في موقعه المدني وآخر كان يؤدي الخدمة العسكرية.
يختصر هذا المعيار حالات مختلفة في خانة واحدة تشمل المجند الإلزامي والمستدعى إلى الاحتياط، بصرف النظر عن مدة الخدمة وطبيعة المهمة ووجود مخالفة فردية.
تقوم المحاسبة القانونية على الفعل والأدلة، بينما يقوم الفرز الظاهر هنا على الصفة، فالخدمة الإلزامية التزام فرضته الدولة السابقة، ولا تشكل بذاتها دليلا على الولاء السياسي أو المشاركة في انتهاك.
تحويلها إلى سبب لتعليق الوظيفة ينقل عبء الإثبات إلى العامل، ويطالبه بتبرئة نفسه من علاقة لم يخترها، ومن واجب كان يقوم به الى تهمة!.
تسوية السجلات أم إعادة توزيع الثقة؟
تعمل السلطات الجديدة منذ 2025 على إعادة تشكيل الجهاز العام وإعادة موظفين فصلهم النظام السابق.
أعلنت وزارة الطاقة في 18 آذار 2026 استقبال 10759 طلبا من عاملين مفصولين بسبب انحيازهم للثورة، بينها 3877 عقد عودة و4359 تسوية حقوق، فيما بقي 2523 ملفا غير مكتمل.
تضع العملية الدولة أمام ملفين: رد حقوق من عوقبوا سياسيا، وتحديد مصير من ارتبطت سجلاتهم بالخدمة العسكرية السابقة.
تكمن المشكلة في انتقال معيار الانحياز من إنصاف المفصولين إلى استبعاد فئة أخرى، فحق الدولة في مراجعة كوادرها لا يبرر استبدال مظلومية قديمة بأخرى جديدة.
المسار المؤسسي يحتاج إلى التفريق بين الموظف الذي أدى واجبا مفروضا والشخص الذي ارتكب فعلا يستوجب المحاسبة.
الراتب أداة لإغلاق ملف الماضي
يحمل وقف الأجور منذ 1 كانون الثاني 2025 دلالة مالية واضحة، فالإدارة تعيد تحديد التزاماتها منذ بداية العام التالي لسقوط النظام.
يستطيع الإجراء إغلاق مطالبات برواتب متراكمة أو تصحيح سجلات منقطعين عن الدوام، لكنه يفتح أسئلة استرداد الأموال ومصير التأمينات والتعويضات والأقدمية.
يمنح الأثر الرجعي القرار وزنا يتجاوز كف اليد المؤقت، فيواجه العامل نتيجة مالية ممتدة قبل صدور قرار مؤرخ في آب 2026، بينما تبقى أسباب اختيار تاريخ وقف الأجر والجهة التي راجعت الملف غائبة.
يمثل الراتب حقا مرتبطا بوضع قانوني، وتحويله إلى أداة عقابية يتطلب مسارا يتيح الاطلاع والدفاع والاعتراض.
المصفاة بوصفها منشأة استراتيجية
تضاعف طبيعة المنشأتين حساسية القرار، فيذكر موقع مصفاة بانياس أنها أنشئت بطاقة تكريرية سنوية تبلغ 6 ملايين طن متري، فيما ترتبط مصفاتا بانياس وحمص بإمداد السوق بالمشتقات النفطية.
توقفت بانياس نحو أربعة أشهر بسبب نقص الخام قبل استئناف تشغيلها في نيسان 2025، ثم دخلت برنامجا للصيانة والتحديث يمتد إلى 2026.
تعتمد المصفاة على معرفة متراكمة لدى المشغلين والفنيين وفرق الصيانة، وخروج مجموعة واسعة دفعة واحدة يضعف الذاكرة التشغيلية حتى مع تعويض العدد بموظفين جدد.
تقاس كفاءة المنشأة بقدرة الفرق على التعامل مع أعطال الضغط والحرارة والخزانات وخطوط النقل من دون توقف أو حادث، وليس بعدد بطاقات الدوام.
يربط موقع بانياس الساحلي القرار بشبكة الطاقة الوطنية والإقليمية، طرحت سلطتي دمشق وبغداد في تموز 2026 إعادة تأهيل خط حديثة – بانياس المرتبط بخط كركوك – بانياس التاريخي.
يحتاج المشروع إلى مؤسسة مستقرة وقواعد توظيف واضحة وثقة بسلامة التشغيل، وتنطلق قرارات العاملين أساسا من اعتبارات سياسية وإدارية داخلية، لكن نتائجها تؤثر في قدرة سوريا على تشغيل بنيتها النفطية واستقطاب الخبرات والاستثمارات الخارجية.
كف اليد بين المؤقت والعقوبة المفتوحة
يستند قرار بانياس إلى قانون العاملين الأساسي رقم 50 لعام 2004، الذي ينظم الأجور خلال الخدمة العسكرية وآثار كف اليد.
تنص المادة 42 من قانون مجلس الدولة رقم 32 لعام 2019 على أن كف اليد إجراء مؤقت لا يتجاوز ثلاثة أشهر إلا بتمديد من المحكمة المسلكية بسبب تحقيق أو ملاحقة.
كما أبقى الإعلان الدستوري القوانين النافذة سارية ما لم تعدل أو تلغ، الوثيقة المتداولة لا تعرض تحقيقا فرديا أو تمديدا قضائيا رغم أثرها الممتد نحو عشرين شهرا.
يحول غياب المدة كف اليد إلى مسألة قانونية معلقة، فالعامل ليس مفصولا كي يطعن في إنهاء خدمته، وليس على رأس عمله كي يتقاضى أجره.
تسمح هذه الصيغة للإدارة بتأجيل اتخاذ قرار نهائي بشأن العاملين، وتنقلها إلى الموظف وأسرته، وتمنح المؤسسة وقتا مفتوحا لاتخاذ قرار لاحق.
العمال يدفعون كلفة التسوية
يحمل تفسير تنظيم السجلات والرواتب جزءا من الادعاء، لكنه لا يبرر معاقبة عامل بسبب خدمة عسكرية فرضتها عليه الدولة السابقة.
استخدام الخدمة الإلزامية سببا لكف اليد ينقل المسؤولية من صاحب الفعل إلى المجند، ويعامل الصفة العسكرية كأنها دليل على الولاء أو التورط.
يرجح أن تبقى الملفات معلقة بدلا من صدور قرارات فصل واضحة، فتحقق هذه الصيغة للإدارة خفضا في الرواتب وتأجيلا للمواجهة القانونية، بينما يتحمل العامل وأسرته خسارة الأجر والعمل من دون معرفة موعد حسم مصيره.
ستدفع الحاجة إلى الخبرات الفنية إدارات المصافي إلى إعادة بعض العمال بصورة انتقائية، خاصة من يصعب تعويضهم، وتتم العودة عبر عقود جديدة تلغي الأقدمية والحقوق والرواتب المتراكمة، فيتحول احتياج المؤسسة إلى وسيلة لفرض تنازلات على العامل.
التوقع الأقرب هو استمرار كف اليد، مع إعادة أصحاب الخبرات النادرة وترك بقية العمال في وضع معلق. يمثل هذا الاتجاه فرزا وظيفيا على أساس الماضي، ويحمّل العمال نتائج مرحلة لم يختار معظمهم موقعهم فيها.
الدولة الجديدة واختبار المسؤولية الفردية
تختبر الإجراءات تصور السلطة الجديدة لموظف الدولة أكثر مما تختبر ولاء عامل في مصفاة.
يحتاج بناء المؤسسات إلى تدقيق السجلات ومحاسبة المتورطين وحماية الفرد من المسؤولية الجماعية، ويعتبر استخدام 8 كانون الأول خطا فاصلا سريعا في التصنيف، لكنه لا ينتج عدالة أو إدارة مستقرة من دون ملف فردي وقرار معلل وحق في الاعتراض.
تتحدد طبيعة القرارات عبر أربعة مؤشرات تبدأ بنشر أساسها القانوني، وبيان المخالفة الفردية المنسوبة إلى كل عامل إن وجدت، وتحديد مدة كف اليد وآثاره المالية، وفتح مسار واضح للطعن.
الخدمة في الجيش، سواء كانت إلزامية أو طوعية، لا تشكل تهمة أو سببا لحرمان العامل من حقوقه، واستمرار الغموض يحول الانتماء السابق إلى مؤسسة رسمية في الدولة إلى معيار للإقصاء، ويضع قطاع الطاقة أمام معادلة تستبدل الكفاءة والمسؤولية الفردية بالتصنيف السياسي الجماعي.

