تكشف مذكرة التفاهم السورية الروسية المعلنة في 9 آب 2026 عن تحول يتجاوز مصير قاعدتين عسكريتين.
يدور الحدث حول إعادة ترتيب العلاقة بين سلطة تسعى إلى لامتلاك قرارها، وقوة كبرى تريد حماية موقعها في شرق المتوسط من دون البقاء أسيرة للصيغة التي ربطتها بالنظام السابق، وتمثل حميميم وطرطوس نقطتين داخل صراع أوسع على شكل النظام الإقليمي وموقع سوريا فيه.
هل تنتقل سوريا من موقع الحليف إلى موقع الشريك الذي يحدد شروط وجود القوى الخارجية، أم يجري تجديد النفوذ الروسي بعبارات أكثر مرونة؟
تفترض المذكرة إعادة بناء العلاقة على أساس المصالح المتبادلة، ونجاحها يتوقف على تحويل التعددية الدولية من منافسة فوق الأرض السورية إلى قدرة سورية على الموازنة بين القوى ورفض احتكار أي طرف للقرار الوطني.
سوريا بوابة البر إلى البحر
تحتل سوريا موقعا يتجاوز مساحتها وإمكاناتها الاقتصادية، وتربط أراضيها الأناضول بالجزيرة العربية، والعراق بالمتوسط، والداخل الآسيوي بالموانئ البحرية.
جعل هذا الموقع البلاد ساحة تنافس بين القوى البرية الباحثة عن منفذ إلى البحر، والقوى البحرية الساعية إلى منع تشكل كتلة إقليمية مترابطة تمتلك طرقها وموانئها ومواردها خارج منظومات الهيمنة الغربية.
تقرأ موسكو حميميم وطرطوس ضمن هذه الخريطة الواسعة، وتمنح القاعدة الجوية روسيا نقطة اتصال بين عمقها الأوراسي وشرق المتوسط وأفريقيا، بينما يوفر مرفأ طرطوس موضع ارتكاز بحريا خارج المضائق التي تتحكم بها تركيا.
يحمل الساحل السوري بالنسبة إلى روسيا قيمة تتجاوز الدفاع عن حليف محلي، لأنه يخفف عزلتها الجغرافية ويمنحها حضورا داخل المجال البحري الذي تتفوق فيه القوى الغربية.
يفترض أن يمثل الساحل للسلطة في دمشق جزءا من الدولة والاقتصاد والمجتمع، غير أن طريقة إدارة الملف تجعله أقرب إلى أصل استراتيجي تتفاوض عليه السلطة مع الخارج ومصدر محتمل للجمارك والإيرادات، بينما يغيب سكان اللاذقية وطرطوس عن معرفة شروط الاتفاق وكيف ستوزع عوائده.
استعادة المطار والرصيف من الإدارة الروسية لا تعني استعادتهما للمجتمع إذا انتقلت سلطة القرار من طرف خارجي إلى مركز سياسي يحتكر التفاوض والإدارة، من دون رقابة عامة أو التزام معلن بتحويل المنشأتين إلى فرص عمل وخدمات وتنمية محلية.
تكشف الصيغة المعلنة عن إعادة توزيع للسلطة على الساحل أكثر مما تثبت استعادة مكتملة للسيادة، فتستعيد السلطة في دمشق إدارة المطار المدني والرصيف التجاري وما يرتبط بهما من حركة وإيرادات، بينما تحتفظ موسكو بحضورها عبر مراكز عسكرية مشتركة لم تنشر قواعد قيادتها وصلاحياتها.
يغيب عن الإعلان أي دور لسكان اللاذقية وطرطوس في تحديد أولويات المنشأتين أو مراقبة عوائدهما، ما يجعل انتقال الإدارة من الروس إلى المركز السياسي مكسبا للسلطة قبل أن يكون مكسبا للمجتمع.
من الحماية العسكرية إلى الشراكة المضبوطة
نشأ الوجود الروسي الحالي خلال مرحلة اختل فيها ميزان القوة لمصلحة موسكو، ومنح اتفاق آب 2015 روسيا استخدام قاعدة حميميم، ثم جاء بروتوكول كانون الثاني 2017 ليحدد مدة تصل إلى 49 عاما مع تمديد تلقائي لمدة 25 عاما.
وحصلت موسكو في طرطوس على ترتيبات مشابهة وحصانات واسعة وإمكان استقبال سفن حربية، ما وضع أجزاء من الساحل داخل مجال عسكري روسي شبه مستقل.
قدمت روسيا القوة الجوية والدعم السياسي للنظام السابق، وحصلت في المقابل على موقع عسكري طويل الأمد، وتبدلت المعادلة بعد سقوط النظام السياسي في كانون الأول 2024، لأن السلطة الجديدة ورثت الاتفاقات من دون أن ترث العلاقة السياسية التي أنتجتها.
تعيد المفاوضات التي استمرت نحو 18 شهرا تعريف هذه العلاقة، ويقدم تحويل القواعد العسكرية إلى مراكز تدريب مشتركة صيغة تسمح لروسيا بالحفاظ على حضورها، وتمنح سلطة دمشق فرصة لإلغاء نموذج القاعدة المنفصلة، حيث تؤسس هذه الصيغة الى علاقة تعاون، ومن امتياز القوة الكبرى إلى اتفاق بين طرفين، لكنها تحتاج إلى قواعد تنفيذية تثبت أن القرار داخل المنشآت أصبح مشتركا وخاضعا للسيادة السورية.
استعادة المجال المدني
يحمل تسلم مطار اللاذقية الدولي والرصيف التجاري الرابع في مرفأ طرطوس معنى يتجاوز الإدارة اليومية.
تبدأ استعادة الدولة من التحكم بالممرات التي تربط المجتمع بالعالم، ويستطيع المطار نقل السكان والعمال والتجارة، بينما يسمح المرفأ بتحصيل الرسوم وتنظيم الاستيراد والتصدير وجذب الاستثمارات.
تحول الاستخدام العسكري خلال السنوات السابقة إلى سلطة فوق الاقتصاد المحلي، لأن القرار المتعلق بالمكان اتخذ وفق احتياجات روسيا العملياتية.
يربط تسلم الرصيف الرابع المذكرة بمشروع إعادة بناء الاقتصاد السوري، حيث وقعت سلطة دمشق في تموز 2025 امتيازا مدته 30 عاما بقيمة 800 مليون دولار مع شركة موانئ دبي العالمية لتطوير مرفأ طرطوس وتشغيله.
يضع “الدولة” وجود مشروع تجاري كبير، بجانب منشأة روسية معاد تنظيمها، أمام اختبار يتعلق بوحدة الإدارة، فهل يخضع المرفأ كله لقانون اقتصادي سوري واحد، أم يبقى موزعا بين دوائر نفوذ خارجية لكل منها قواعدها ومساحتها؟
تكمن الإجابة في قدرة سلطة دمشق على تحويل الساحل من فسيفساء امتيازات إلى مجال يخضع لقواعد موحدة ومعلنة، فالسيادة تستعاد عندما تصبح المؤسسات السورية صاحبة القرار الفعلي ويخضع هذا القرار للرقابة العامة، لا عندما يقتصر التغيير على الأعلام والمسميات بينما تبقى الصلاحيات الأساسية موزعة بين السلطة المركزية والقوة الروسية.
سوريا وسط خرائط متنافسة
يتقاطع التحول مع خرائط إقليمية متعددة. تراقب تركيا مصير القاعدتين من موقعها كقوة برية وبحرية تسعى إلى توسيع نفوذها في سوريا وشرق المتوسط.
وتنظر “إسرائيل” إلى أي بنية عسكرية على الساحل من زاوية حرية عملها الجوي وقدرة سلطة دمشق على إعادة بناء قوتها، كما وتتابع الولايات المتحدة الملف ضمن صراعها الأوسع مع روسيا ومستقبل انتشارها العسكري في الشرق السوري.
تستطيع سلطة دمشق تحويل هذا التنافس إلى هامش حركة إذا حافظت على مركزية المصلحة السورية، فالسياسة الأكثر استقلالا تقوم على رفض استبدال الوصاية الروسية بوصاية غربية أو إقليمية، واستخدام العلاقات مع القوى المتنافسة لتوسيع خيارات الدولة، وتصبح سوريا فاعلا عندما تحدد وظيفة أرضها، وتتحول إلى ساحة عندما تتولى القوى الخارجية توزيع الوظائف والمناطق فيما بينها.
من امتلاك القاعدة إلى امتلاك مفتاح استخدامها
النفوذ العسكري الحديث لا يحتاج دائما إلى قاعدة مستقلة أو سيطرة دائمة على الأرض، فيكفي أن تحتفظ القوة الخارجية بحق مميز في استخدام المنشأة وإعادة تفعيل وظيفتها العسكرية عند الحاجة، فالسؤال من يملك مفتاح الانتقال من مركز تدريب في الظروف العادية إلى عقدة عمليات وإمداد خلال الأزمات؟
تسمح المذكرة لموسكو بالتخلي عن العبء السياسي المرتبط بصورة القاعدة الأجنبية، مع الاحتفاظ بما تحتاجه استراتيجيا من الوصول إلى الساحل والاتصال بالمؤسسة العسكرية السورية وإمكان استخدام البنية التحتية ضمن ترتيبات متفق عليها.
تحصل السلطة في دمشق في المقابل على مظاهر الإدارة السيادية والعائدات المدنية ومساحة أوسع للمناورة الخارجية، من دون دفع كلفة القطيعة مع روسيا، يتبادل الطرفان بذلك السيطرة الروسية الظاهرة بنفوذ وظيفي أقل وضوحا وأكثر قابلية للتكيف.
ينتج عن هذا الترتيب شكل من السيادة متعددة المستويات:
- إدارة سورية مدنية.
- حضور روسي عسكري مشترك.
- تشغيل تجاري يرتبط بعقود مع شركات أجنبية.
تتوزع الحقوق داخل الموقع الواحد بحسب الوظيفة والظرف، بدلا من خضوعه لسلطة وطنية واحدة، ويحمل المطار أو المرفأ شكلا مدنيا في الأوقات العادية، بينما تبقى إمكانات استعادة وظيفته العسكرية مرتبطة بما تخفيه الملاحق غير المنشورة.
تكمن الخطورة بالنسبة للسوريين في انتقال السلطة بدمشق من موقع المستضيف الضعيف إلى موقع الوسيط الذي يدير التنافس على الجغرافيا، فيمنحها قدرة على توزيع حقوق النفاذ بين روسيا وشركاء اقتصاديين وقوى إقليمية، لكنه لا يبني دولة ذات سيادة إذا تحولت الأرض إلى مورد تفاوض تحتكره السلطة، فيبقى الساحل داخل استراتيجيات الآخرين، مع فارق أن النفوذ يمارس عبر العقود والتفاهمات بدلا من القواعد المغلقة.
المعيار ليس اسم المنشأة، بل الجهة التي تملك قرار تحويل مركز التدريب إلى موقع عسكري عامل، واحتكار سلطة دمشق هذا القرار يعني انتقال السيادة فعليا، بينما احتفاظ روسيا بحق التفعيل يعني استمرار القاعدة بوظيفتها ولو تغير اسمها.
أما اشتراط التفاوض عند كل أزمة فيبقي السيطرة معلقة بين الطرفين، فمهلة الأشهر الثلاثة تعيد تنظيم شكل الوجود الروسي من دون أن تحسم من يملك قرار استخدامه عسكريا.

