ليست المشكلة في أن يكون مسلسل مثل “مطبخ المدينة” قاتما، فالدراما الجادة لا تُقاس بكمية الضوء فيها، ولا تُلام لأنها تقترب من العطب أو الفساد أو التشوه الأخلاقي، بل إن واحدا من أدوارها الأساسية أن ترى ما لا تريد المجتمعات النظر إليه في المرآة.
المشكلة تبدأ حين تتوقف العتمة عن كونها أداة كشف، وتتحول إلى فرضية جاهزة عن المجتمع، وهذا ما جعل “مطبخ المدينة” عملا يستحق النقاش النقدي الصارم، ليس لأنه كاذب، بل لأنه أحيانا يقول نصف الحقيقة بطريقة توحي بأنها الحقيقة كلها.
منذ حلقاته الأولى، يختار المسلسل أن ينظر إلى المدينة السورية من داخل المطبخ؛ مكان ضيق، وساخن، ومتوتر، ويُفترض أن تخرج منه الوجبات مرتبة مهما كانت الفوضى في الداخل، وهذه “الاستعارة” لا تكفي وحدها لصناعة عمق، والسؤال الأصعب هو ماذا يفعل العمل بهذه الاستعارة؟ هل يفتح بها طبقات المدينة وتعقيدها؟ أم يستخدمها بوصفها وعاء يسكب فيه أكبر قدر ممكن من الخراب؟
في لحظاته الأفضل، ينجح “مطبخ المدينة” في تقديم صورة عن مجتمع استنزفته الحرب حتى صار الخلل جزءا من الحياة اليومية، وهنا لا يظهر الفساد بوصفه حدثا شاذا، بل كأحد شروط الاستمرار، ولا يعود الخوف انفعالا، بل يصير طريقة في الكلام، وفي الصمت أيضا.
تتكلم الشخصيات كما لو أنها تعيش دائما تحت سقف منخفض؛ لا أحد يرفع رأسه بالكامل، ولا أحد يثق بأن الأرض ثابتة تحته، والمشكلة أنه تم رسم مسار الشخصيات كما لو أن المدينة لا تُنتج إلا أشكالا متلاحقة من القبح من فساد وتسول وتواطؤ وعائلات متصدعة وهشاشة أخلاقية وعلاقات معطوبة، ومؤسسات ملوثة بالكامل.
لا اعتراض على وجود كل هذا في النص؛ الاعتراض على طريقة التوزيع، فحين تتراكم هذه العناصر جميعا داخل عدسة واحدة، يتولد انطباع بأن المسلسل لا يشرح المجتمع، بل يختاره انتقائيا من أكثر زواياه اسودادا ثم يعيد تقديم هذا الاختيار باعتباره صورة كلية.
المدينة ليست بريئة.. لكنها ليست حقلا للأشرار أيضا
هنا تقع الدراما في واحد من أكثر أفخاخ “الواقعية” شيوعا”؛ الاعتقاد بأن الإغراق في السواد يساوي تلقائيا الصدق، فالصدق الفني لا ينتج من شدة الظلام، بل من نسبة التعقيد داخله، فالمجتمع السوري يحمل بالتأكيد تناقضات ففيه فساد وتواطؤ وخراب مؤسسي، لكنه يحمل أيضا أشكالا يومية من التضامن، والصبر، والتماسك الصامت، والناس الذين لا يتحولون إلى أحداث فلأنهم ببساطة منشغلون بالعيش.
حين يغيب هذا كله تقريبا من الصورة، لا يعود المشاهد أمام مجتمع عميق، بل أمام مجتمع جرى تركيزه دراميا حتى أصبح أقرب إلى أطروحة منه إلى حياة.
وهذا ما يجعل السؤال عن عمق “مطبخ المدينة” سؤالا مشروعا، فهل كان المسلسل عميقا فعلا، أم أنه استبدل التعقيد الاجتماعي بحشد الحالات القصوى؟ في تقديري، فهو يشرح كيف يُنتج التشوه داخل بيئة القهر والحرمان والاقتصاد الهامشي، لكنه في غالبه أقل عمقا لأنه يلمح، ولو ضمنيا، إلى أن المدينة لم تعد قادرة على إنتاج شيء آخر غير هذا التشوه.
المشكلة في هذا الخيار ليست أخلاقية فقط، بل جمالية أيضا، فالسواد، كي يحتفظ بقيمته، يحتاج إلى ما يجاوره، ويحتاج إلى العادي، وإلى الهادئ، وإلى غير الفاسد، وإلى ما يجعل الانحراف مرئيا بوصفه انحرافا، أما حين يصبح الجميع متورطين بطريقة ما في العطب، فإن القتامة تفقد حدها التفسيري وتتحول إلى جو عام إلزامي، ولا تعود اكتشافا بل تصبح مزاجا، وهنا يخسر العمل معظم قوته.
الفساد كديكور تفسيري لا كبنية درامية
أحد أضعف جوانب المسلسل، في ضوء ما ناقشناه، أنه يستخدم الفساد بوصفه حقيقة مكتملة أكثر مما يفككه بوصفه نظاما فنرى آثاره في كل مكان تقريبا، لكننا لا نرى دائما كيف يشتغل، ونشاهد نتائجه أكثر مما نرى هندسته، وهذا فارق حاسم بين العمل الذي يقدم الفساد كموضوع، والعمل الذي يستخدمه كخلفية صالحة لتسويغ قتامة العالم.
في “مطبخ المدينة”، لا يغيب الفساد عن الصورة لحظة، لكنه غالبا يحضر كـ”مناخ” أكثر من كونه بنية، وهذا يضعف النص سياسيا، حتى لو بدا في الظاهر جريئا، لأن الجرأة ليست أن تقول إن الفساد موجود؛ بل أن تشرح آلياته: من يخدم من؟ كيف تُصنع السلاسل الصغيرة للطاعة؟ كيف تتحول الحاجة إلى ابتزاز؟ كيف يتسرب العنف المؤسسي إلى اللغة المنزلية وإلى مفهوم الرزق نفسه؟ هنا، كان يمكن للمسلسل أن يكون أشد قسوة وأعمق، ولكنه في أحيان كثيرة اكتفى بإخبارنا أن العفن شامل، وترك الآلة التي أنتجته في الظل.
“النظام السابق” بين التفسير والتحشيد
وهنا نصل إلى نقطة أكثر حساسية؛ حضور “النظام السابق“ في العمل، ليس ثمة شك في أن أي قراءة لدمشق الحديثة لا يمكن أن تفصل الخراب الاجتماعي عن البنية السلطوية التي راكمته ورسخته، لكن السؤال النقدي ليس هل يتحمل النظام المسؤولية؟ بل كيف تُكتب هذه المسؤولية؟ ومن هي ظروفها؟
في “مطبخ المدينة”، يبدو النظام السابق أحيانا كمرجعية تفسيرية جاهزة أكثر من كونه موضوعا مفككا دراميا، كأن النص يلوح به ليمنح نفسه شرعية أخلاقية وسياسية، من دون أن يدخل دائما إلى التعقيد الذي يجعل هذه الإدانة أكثر من مجرد عنوان صحيح.
وهذا يترك أثرا ملتبسا فيمنح العمل وضوحا في موقفه؛ ومن جهة أخرى، يدفعه إلى اختزال التشوهات المتعددة في سبب شامل، يُستدعى بوصفه مظلة تفسيرية كبرى لا تحتاج في كل مرة إلى تجسيد دقيق.
هل تخدم هذه الصورة الثقافة السورية؟
الثقافة السورية لا يكفيها أن ترى قبحها كي تتجدد؛ ما تحتاجه حقا أن تفهم كيف صار هذا القبح جزءا من بنيتها التمثيلية، والعمل، وهو يهاجم الصورة المجملة، يقترب أحيانا من إنتاج صورة مضادة لا تقل اختزالا؛ مجتمع متهالك إلى حد يكاد يفقد كل تدرجاته الأخلاقية والإنسانية، وهذه ليست خدمة للثقافة، بل شكل آخر من إفقارها، فهي لا تُختزل فقط حين تُلمع، بل أيضا حين تُختصر في عتمتها، وحين يُعاد تقديمها كما لو أنها لم تعد تُنتج سوى الخراب.
القيمة الحقيقية لأي دراما تزعم مساءلة المجتمع لا تكمن في شدة سوادها، بل في قدرتها على تعقيد النظرة إليه، فتجعلنا نرى كيف يتجاور الانهيار مع بقايا المعنى، وكيف يعيش الفساد إلى جانب أشكال صامتة من الاحتمال، وكيف لا يُختزل المجتمع في أسوأ ما فيه حتى حين يكون هذا الأسوأ طاغيا.
هنا فقط تخدم الدراما الثقافة حين توسع حساسيتها النقدية، لا حين تستبدل التجميل بالتشويه، و”مطبخ المدينة”، وقع في هذا الفخ فلا ينجو من بلاغة مضادة توحي بأن العطب صار صورته الوحيدة الممكنة.
“مطبخ المدينة” يقع في تبسيط سوداوي واضح فيختزل المجتمع في أكثر تجلياته عطبا، حتى تبدو المدينة كأنها لا تُنتج إلا الفساد والانحلال والتواطؤ، ومشكلته الأساسية أنه لا يكتفي بعرض آثار الخراب، بل يعيد تعميمها بوصفها الحقيقة الاجتماعية شبه الوحيدة، من دون أن يترك مساحة كافية لأي تدرج إنساني أو أخلاقي يقي الصورة من التحول إلى اختزال، فلا يعود الشر نتيجة بنية معقدة بقدر ما يصبح المناخ العام الإجباري للنص.
الأضعف من ذلك أن المسلسل يستدعي الفساد بوصفه معطى جاهزا أكثر من كونه بنية تحتاج إلى تفكيك، فنحن أمام نتائج متراكمة، لكن من دون جهد درامي كاف في شرح آلياتها أو إظهار كيف تُنتجها السلطة والمؤسسة والمجتمع معا، فيبدو “النظام السابق” في كثير من اللحظات عنوانا تفسيريا معلقا فوق الأحداث، لا موضوعا مفككا داخلها، وهذا ليس خللا تقنيا عابرا، بل قصور في الرؤية نفسها، لأن العمل الذي يدعي قراءة المجتمع ثم يعجز عن تمثيل تعقيده، لا يقدم صورة قاسية فحسب، بل صورة ناقصة ومشوهة ومشبوهة أيضا.
مطبخ المدينة: تحول القتامة من أداة تشريح إلى عدسة تختزل المجتمع
قراءة نقدية في توازن الصورة الدرامية للمجتمع السوري
• التبسيط السوداوي والاختزال: يختزل المسلسل المجتمع في أكثر تجلياته عطبا، وكأن المدينة لا تنتج إلا الفساد والتواطؤ.
• الفساد كخلفية لا كبنية درامية: الفساد حاضر كمناخ عام، لكن الآليات والهندسة غائبة، مما يضعف النص سياسياً وفنياً.
• النظام السابق كعنوان تفسيري جاهز: يستدعى كسبب شامل ليمنح العمل شرعية، لكن دون تفكيك درامي لتعقيداته.
• غياب التدرج الإنساني والأخلاقي: يغيب العادي، الصامت، وغير الفاسد، فتتحول القتامة إلى جو إلزامي يفقد حدوده التفسيرية.

