منذ كانون الأول 2024، دخلت سوريا مرحلة سياسية جديدة بدت، في ظاهرها، كأنها فرصة لإعادة ترتيب أولويات الدولة بعد سقوط النظام، لكن ما جرى خلال الأشهر التالية لم يكن انتقالا هادئا، بل أقرب إلى سباق محموم بين ثلاث قوى: انهيار معيشي يضغط بقسوة، وسلطة جديدة تسعى إلى تثبيت شرعيتها بسرعة، وخارج دولي يربط الانفتاح والتمويل بحد أدنى من الشمول والضبط المؤسسي.
في هذا المثلث المضطرب، لم تصنع السياسات العامة بوصفها استجابة متدرجة لحاجات الناس، بل كاستجابات متزامنة لأزمات متراكمة؛ كثير منها صيغ على عجل، وبعضها نفذ قبل أن تتوافر له شروط النجاح.
الاقتصاد أولا… ولكن بأي كلفة اجتماعية؟
منذ الأيام الأولى، أرسلت السلطة الجديدة إشارة واضحة إلى السوق والمانحين ورجال الأعمال؛ الدولة القديمة يجب أن تنكمش، والاقتصاد يجب أن يتحرك في اتجاه أكثر تحررا.
ترجم ذلك في وعود بالتحول إلى اقتصاد سوق تنافسي، ورفع رواتب القطاع العام بنسبة 400%، ومراجعة النظام الضريبي، ثم في خطة أكثر راديكالية شملت خصخصة شركات عامة، وإغلاق مؤسسات خاسرة، وتقليصا واسعا للوظيفة العامة.
وزارة المالية تحدثت في كانون الثاني 2025 عن إعادة هيكلة إدارية شاملة، فيما قال مسؤولون لاحقا إن الدولة تحتاج فقط إلى 550 إلى 600 ألف موظف، أي أقل من نصف العدد المسجل تقريبا، مع الحديث عن نحو 400 ألف اسم “شبح” على لوائح الرواتب.
على الورق، يصعب الاعتراض على مكافحة الترهل والفساد، والمشكلة ليست في تشخيص المرض، بل في وصفة العلاج، فاقتصاد مدمر، ونظام مصرفي معزول، وسوق عمل هش، وبنية إنتاج شبه معطلة، ليست بيئة تحتمل “علاجا بالصدمة” حتى لو جرى تسويقه بلغة الكفاءة، خصوصا عندما يستهدف فئة محددة بحجة أنها كانت قاعدة النظام السابق.
الاحتجاجات التي خرجت ضد التسريح، والمخاوف من أن يتحول التقليص إلى تطهير اجتماعي أو مناطقي أو طائفي مقنع، لم تكن مجرد مقاومة بيروقراطية للإصلاح، بل إنذارا مبكرا بأن السلطة تتصرف أحيانا كما لو أنها تملك ترف الاستقرار، فيما هي تدير بلدا ما يزال في حالة الصدمة مما حصل بعد حرب استنزفته 14 عام، فحتى خبراء في منظمة العمل الدولية شككوا في حكمة جعل تقليص القطاع العام أولوية عاجلة قبل إنعاش الاقتصاد نفسه.
الأخطر أن الخطاب الاقتصادي الجديد مال إلى تبسيط المسألة السورية، وكأن المشكلة كانت فقط “اقتصاد دولة فاسدا”، ويكفي استبداله باقتصاد خاص أكثر حرية.
هذا اختزال مريح سياسيا، لكنه مضلل، فسوريا لا تفتقر فقط إلى السوق، بل إلى دولة قادرة، وقضاء موثوق، وحماية اجتماعية، وبنية تمويل، وشبكات أمان، ولهذا بدا رفع الرواتب، على أهميته الرمزية، وكأنه تنازل اجتماعي صغير ألحق بمسار اقتصادي أكبر يفاقم التفاوت إذا لم يضبط بمعايير العدالة والوصول المتكافئ إلى الفرص.
السياسة بوصفها إدارة للشرعية لا بناء للتوافق
في المجال السياسي، تحركت السلطة الجديدة بالسرعة نفسها تقريبا، لكن ليس بالعمق نفسه، ففي 29 كانون الثاني 2025 أعلن أحمد الشرع رئيسا للمرحلة الانتقالية، مع تعليق الدستور ومنحه سلطة تشكيل مجلس تشريعي مؤقت، في خطوة رآها محللون تكريسا مبكرا لتركيز السلطة أكثر من كونها تأسيسا لتشاركية انتقالية.
ثم جاء “الحوار الوطني” في شباط ، لكنه ووجه منذ البداية بانتقادات حول الاستعجال، وضعف تمثيلمكونات أساسية “لأقليات”، وهيمنة شخصيات قريبة من السلطة الفعلية على التحضير له.
المؤتمر خرج بتوصيات حول الدستور والعدالة الانتقالية والإصلاح المؤسسي، لكن السؤال الحقيقي لم يكن: ماذا قيل؟ بل: من قرر المتحدثين في المؤتمر، ومن يملك ترجمة الكلام إلى قواعد حكم؟
هذه الفجوة اتسعت مع الإعلان الدستوري في 13 آذار 2025، النص احتوى ضمانات تخص حرية التعبير وحقوق النساء، لكنه أبقى للشريعة الإسلامية دورا مركزيا، وفتح مرحلة انتقالية من خمس سنوات تحت سلطة تنفيذية قوية.
هنا ظهر التناقض البنيوي في مقاربة السلطة؛ فهي تريد الاعتراف الدولي بوصفها انتقالا جديدا، لكنها تميل إلى تصميم النظام من أعلى، لا إلى التفاوض عليه أفقيا مع المجتمع والقوى المحلية.
رفض المجلس السياسي الكردي لهذا الإعلان واعتباره إعادة إنتاج للاستبداد بصيغة جديدة لم يكن حدثا هامشيا؛ كان تشخيصا مبكرا لمأزق أوسع: سلطة تريد توحيد البلاد، لكنها تخشى كلفة التعدد الحقيقي.
حتى تشكيل الحكومة الانتقالية في 29 آذار 2025، رغم اتساعها النسبي وضمها امرأة مسيحية ووزراء من خلفيات علوية ودرزية، بدا استجابة لضغط خارجي وداخلي بعد أعمال العنف الساحلية، فالتمثيل لم يجب عن سؤال توزيع السلطة الفعلي، ولا عن حدود قدرة الوزراء غير المنتمين إلى الدائرة الصلبة على التأثير في الاتجاه العام.
الأمن والسلم الأهلي: الاختبار الذي فضح حدود الخطاب
لا شيء يكشف صدقية السياسات العامة مثل لحظة العنف، ففي آذار 2025، ومع المجازر التي طالت مدنيين علويين على الساحل، وتبعها المجازر بتموز التي طالت مدنيين دروز بالسويدا، دخلت السلطة امتحانها الأخطر.
الشرع تعهد بالمحاسبة، وشكلت لجنة تقص، لكن حجم القتل والانتهاكات، وفق ما وثقته رويترز نقلا عن جهات حقوقية، أظهر أن الدولة الجديدة لم تحتكر العنف بعد، أو أنها لم ترد ذلك بالسرعة الكافية، فسقط أحد أهم وعود المرحلة بأن السلطة الجديدة، مهما كانت هويتها الأيديولوجية، قادرة على التحول سريعا إلى دولة قانون.
لا يكفي أن تدين القيادة “الانتهاكات” بعد وقوعها؛ معيار السياسة العامة الرشيدة هو القدرة على منعها، ثم ملاحقة مرتكبيها بشفافية، لا الاكتفاء بإدارة أثرها السياسي والإعلامي.
وإذا كان اتفاق 10 آذار 2025 مع “قسد” فتح نافذة مهمة لإعادة دمج الشمال الشرقي ومؤسساته المدنية والعسكرية، ولإعادة حقول النفط والمعابر والمطار إلى إدارة الدولة، فإن بطء التنفيذ لاحقا كشف من جديد مشكلة الفجوة بين الإعلان والسياسة، فالاتفاق كان كبيرا بما يكفي لطمأنة الخارج ورفع أسهم السلطة في ملف “وحدة البلاد”، لكنه كان غامضا في أكثر نقطة حساسة، كيف تدمج القوة المسلحة فعليا، وبأي توازن بين المركز واللامركزية، وبأي ضمانات للحقوق الكردية؟
من فك العزلة إلى سوء ترتيب الأولويات
كان تخفيف العقوبات الأمريكية في أيار 2025، ثم الأمر التنفيذي في حزيران، لحظة نادرة تتيح للسلطة نقل النقاش من البقاء إلى البناء، ووزارة الخزانة الأمريكية سمحت بالتعامل مع الحكومة الانتقالية والمصرف المركزي ومؤسسات الدولة، والبنك الدولي تحدث لاحقا عن فرص انتعاش محدودة، مع توقع نمو متواضع لا يتجاوز 1% في 2025 وسط قيود سيولة ومساعدات معلقة ومصاعب في الوصول إلى النظام المالي العالمي.
تخفيف العقوبات فتح نافذة لم يصنع معجزة، فما كان مطلوبا من السلطة استخدام هذه اللحظة لإعادة ترتيب أولوياتها حول الخدمات الأساسية، والزراعة، والطاقة، والحماية الاجتماعية، والإدارة المالية العامة.
لكن الأداء الفعلي أظهر ميلا إلى التقاط المكاسب السياسية والانفتاح الخارجي أسرع من بناء عقد داخلي جديد، فحتى ملف عودة اللاجئين، الذي عاد بقوة مع التفاهمات السورية-الألمانية الأخيرة، يبدو حتى الآن ملفا سياسيا ودعائيا أكثر من كونه سياسة عامة مكتملة الشروط، فلا عودة آمنة وواسعة من دون سكن، وخدمات، وفرص عمل، وضمانات قانونية، وبيئة أمنية غير انتقائية، وإلا تحولت “العودة” إلى شعار سيادي جميل يخفي عجز الدولة عن استقبال مواطنيها بكرامة.
حين تتزاحم أجندات السلطة على حساب أجندة المجتمع
أوضح مثال على سوء ترتيب الأولويات برز في آذار 2026، عندما فرضت سلطات دمشق قيودا واسعة على بيع الكحول، مع تحويل تراخيص الحانات إلى مقاه، وحصر البيع في مناطق مسيحية وبشروط مكانية صارمة، بالتوازي مع إجراءات لمعاقبة من يتهمون بمخالفة الصيام في رمضان.
القضية ليست “أخلاقية” أو “دينية” فقط، بل تتعلق بطبيعة الدولة التي تتشكل، فهل هي دولة تنشغل بضبط المجال الخاص والرمزي فيما لا تزال ملفات الخدمات والعدالة والاقتصاد والسلم الأهلي مفتوحة؟ القرار أثار احتجاجات واعتبر من حقوقيين مناقضا لروح الإعلان الدستوري نفسه، وهو، سياسيا، مثال فادح على سلطة لم تحسم بعد ما إذا كانت تبني مواطنة عامة أم وصاية ثقافية.
انتقال بلا بوصلة اجتماعية كافية
المشكلة أن السلطة تعاملت بعقلية من يريد تثبيت الحكم بسرعة، لا بعقلية ويعيد بناء المجال العام ببطء، وبدت كثير من سياساتها منذ كانون الأول 2024 حتى اليوم محكومة بمنطق فتح نوافذ الاعتراف الخارجي، واحتواء الضغوط الآنية، وإثبات القدرة على القرار، أكثر من خضوعها لترتيب وطني شفاف للأولويات.
تجاهلت السلطة أيضا إيجاد سياسة عامة متوازنة تضع السوري العادي في مركز القرار لا في هامشه، ما وضع المرحلة المقبلة في دائرة الخطر عبر دولة أكثر خفة اقتصاديا، وأكثر محافظة اجتماعيا، وأقل تمثيلا سياسيا، من دون أن تكون أكثر عدلا أو كفاءة، هذه ليست وصفة تعاف. إنها، ببساطة، وصفة لتأجيل الانفجار.

