تتحول السويداء من محافظة جنوبية ذات خصوصية اجتماعية ودينية إلى عقدة سياسية وجيوسياسية تكشف حدود قدرة الدولة الجديدة على إعادة تركيب المجال الوطني.
المسألة لا تتعلق بإدارة أزمة محلية أو معالجة احتجاجات عابرة، بل بكيفية إعادة بناء علاقة السلطة المركزية بالسويداء على أساس الثقة والضمانات المتبادلة، وليس عبر أدوات السيطرة الأمنية والتحريض التي خلقت فجوة الحذر بين الجبل وسلطة دمشق.
تبدو مطالب أهالي السويداء، في هذا السياق، تعبيرا عن حاجة محلية إلى الأمن والكرامة والتمثيل العادل، لا مؤشرا تلقائيا على كتلةa مغلقة أو مشروع انفصالي، سكان المحافظة وجدوا أنفسهم بين سلطة مركزية تسعى إلى إعادة ترتيب المجال، وفصائل محلية متنافسة، ومسلحي عشائر، وحدود جنوبية مفتوحة على حسابات إسرائيل والأردن.
داخل هذا التشابك، يصبح مطلب الحماية المحلية مفهوما، حتى عندما تتباين التعبيرات السياسية عنه.
الجبل بوصفه مجالا سياسيا
تفرض جغرافيا السويداء نفسها على السياسة، فالجبل ليس تضاريس طبيعي فقط، بل بنية اجتماعية أنتجت تاريخيا حساسية عالية تجاه التدخل الخارجي، وقدرة على التنظيم المحلي.
المدن والقرى والطرق الواصلة إلى درعا ودمشق والبادية ليست تفاصيل على الخريطة؛ إنها خطوط ضغط تتحكم بحركة المجال بين المركز والجنوب، وتحدد مسارات القوة والاقتصاد والنزوح والاحتجاج.
عمليا، يكشف تعثر خطة إعادة الاندماج في السويداء أن استعادة السيادة لا تتحقق بإعلان سياسي أو خارطة طريق فقط، بل بقدرة الدولة على تحويل حضورها إلى ثقة عامة، عبر مؤسسات موثوقة وضمانات تمنع تكرار العنف.
حين يتجمع أهالي قرى الريف الغربي أمام الملعب البلدي للمطالبة بانسحاب القوات الحكومية ومسلحي العشائر، فهم لا يطرحون مطلبا إداريا ضيقا، بل يعيدون تعريف معنى الأمن، فهو بالنسبة إليهم يبدأ من إخراج مصادر الخوف من محيطهم المباشر.
أزمة الثقة قبل أزمة السلاح
تبدو السويداء اليوم مرتبطة بأزمة ثقة أكثر من كونها محكومة بمسائل انتشار سلاح الموجود في معظم الجغرافيا السورية، لكن خطورته في السويداء تتضاعف بسبب هشاشة العلاقة بين المجتمع المحلي والسلطة المركزية.
تجربة العنف الطائفي في تموز 2025 تركت أثرا عميقا في الذاكرة الجمعية، وجعلت كل تحرك أمني جديد قابلا للتفسير بوصفه تهديدا لا إجراء تنظيميا.
تحتاج سلطة دمشق إلى فهم أن إعادة دمج السويداء لا تبدأ من الحاجز العسكري، بل من الاعتراف بالمخاوف المحلية، فأي خطة تتجاهل ذاكرة الضحايا، أو تتعامل مع الأهالي كمشكلة أمنية، ستدفع قطاعات أوسع إلى الاحتماء بالبنى المحلية والفصائلية.
بهذا المعنى، يتحول ضعف الثقة إلى إنتاج مستمر لسلطات محلية موازية، تتقدم كلما تراجع حضور الدولة بوصفها ضامنا عاما للأمن والحقوق.
الامتحانات كمؤشر على فشل السياسة
يحمل خبر حرمان 13,500 طالب من الامتحانات معنى يتجاوز التعليم، المدرسة والجامعة والامتحان الوطني مؤسسات تربط المواطن بالدولة، وحين يفشل الطلاب في الوصول إلى الامتحانات للعام الثاني، فهذا يعني أن الخلاف السياسي والأمني وصل إلى واحدة من أكثر النقاط حساسية في حياة العائلات.
بهذا المعنى، يتحول ضعف الثقة إلى إنتاج مستمر لسلطات محلية موازية، تتقدم كلما تراجع حضور الدولة بوصفها ضامنا عاما للأمن والحقوق.
الجنوب السوري بين دمشق وإسرائيل والأردن
يأخذ ملف السويداء بعدا أوسع بسبب موقع المحافظة ضمن قوس الجنوب السوري، درعا، والقنيطرة، والسويداء، والبادية الجنوبية تشكل مساحة حساسة تربط دمشق بالحدود الأردنية وخطوط التماس مع “إسرائيل”.
أي فراغ أمني في هذه المنطقة يتحول سريعا إلى مادة مراقبة إقليمية، وأي توتر محلي يصبح قابلا للاستثمار من الخارج.
تستفيد “إسرائيل” من هشاشة الجنوب السوري لتوسيع هامش حركتها الأمنية والسياسية، فالتوغلات في درعا والقنيطرة تمنحها قدرة على اختبار حدود الدولة السورية الجديدة، ومراقبة أي قوة محلية أو مركزية يمكن أن تؤثر في معادلة الحدود، وتصبح السويداء جزءا من مسرح أوسع، حتى لو بقيت مطالب الأهالي محلية الطابع، فالمحافظة لا تختار موقعها الجغرافي، لكنها تتحمل نتائجه.
ينظر الأردن إلى السويداء من زاوية أمنية مباشرة، لأن استقرار المحافظة ينعكس على المجال الحدودي وحركة الشبكات غير الرسمية بين الجنوب السوري والبادية، فيصعب على سلطة دمشق التعامل مع السويداء كملف داخلي صرف؛ فموقعها يجعلها جزءا من توازن جنوب المشرق، لا مجرد محافظة مأزومة داخل الحدود السورية.
خطاب الكراهية كأداة تفكيك
تحذير الأمم المتحدة من خطاب الكراهية يحمل معنى سياسيا مباشرا، فالكلمات في السياق السوري لا تبقى كلمات.
تعمل اللغة التحريضية، حين تربط الهوية بالاتهام وتحول المطالب المحلية إلى شبهة سياسية، كمرحلة أولى في إنتاج العنف، وتبدأ الأزمة من الخطاب، ثم تتحول سريعا إلى خوف يومي يطال الحركة والسكن والعلاقات بين الجماعات.
تتحمل السلطة المركزية مسؤولية مضاعفة في هذا المجال، فالدولة التي تريد استعادة المجال الوطني مطالبة بضبط خطابها وخطاب حلفائها ومؤسساتها، لأنها الطرف الوحيد القادر على تحويل التهدئة إلى سياسة عامة.
كما تتحمل النخب المحلية في السويداء مسؤولية منع الانزلاق نحو لغة العزل الجماعي أو إغلاق المحافظة على ذاتها، فالحماية المشروعة للأهالي تحتاج إلى خطاب سياسي جامع، لا إلى انكماش هوياتي يجعل المجتمع رهينة الخوف.
الدولة التي تفاوض أطرافها
تكشف أزمة السويداء أن مفهوم السيادة في مرحلة ما بعد الحرب لم يعد مرتبطا بالحضور الرمزي للدولة وحده، سواء عبر انتشار القوات أو رفع العلم فوق المؤسسات، بل بقدرة المركز على جعل هذا الحضور مقبولا ومفيدا في نظر السكان.
في جبل العرب لا يدور التوتر حول فكرة الدولة من حيث المبدأ، بل حول شكل عودتها، ومن يدير أمنها، ومن يضمن ألا تتحول الترتيبات الجديدة إلى مصدر خوف إضافي.
تظهر هذه الإشكالية بوضوح في العلاقة بين سلطة دمشق والمجتمع المحلي، فكلما تقدمت السلطة المركزية عبر أدوات أمنية غير متفق عليها، تعززت قناعة قطاعات من الأهالي بأن عودة الدولة تعني إعادة إنتاج الخطر لا إنهاءه، وغياب الضمانات الواضحة تمنح البنى المحلية شرعية بوصفها بديلا اضطراريا للحماية، حتى عندما تكون هذه البنى نفسها جزءا من المشكلة أو عاجزة عن إنتاج استقرار طويل الأمد.
لا تبدو السويداء خارج الدولة، لكنها تقف عند حافة العلاقة معها، فالمحافظة تطالب بحضور مؤسساتي يضمن الأمن والخدمات والعدالة، لا بحضور يقوم على اختبار الولاء أو فرض الوقائع من أعلى، فتتحول السيادة هنا إلى علاقة تفاوضية غير معلنة، فالمركز يريد استعادة المجال، والمجتمع المحلي يسعى لضمانات تمنع تكرار العنف وتحد من نفوذ المسلحين الغرباء والفاعلين غير المنضبطين.
لسويداء كاختبار لسوريا كلها
تكشف السويداء أن معركة سوريا المقبلة ليست بين نظام ومعارضة، بل بين شكلين للدولة، الأول يدفع المركز إلى الأطراف بعقلية السيطرة، والثاني يعيد البناء عبر التفاوض والثقة والخدمات والعدالة.
أهالي السويداء لا يطلبون امتيازا خاصا، بل علاقة طبيعية مع دولة تحميهم وتحترم حقوقهم ولا تحول حياتهم اليومية إلى وسيلة ضغط.
مصير السويداء سيقول الكثير عن مستقبل البلاد، فالجغرافيا هنا لا تشرح الأزمة وحدها؛ إنها تكشف من يملك القدرة على تحويل الأرض من ساحة صراع إلى عقد اجتماعي جديد.

