تتحرك سوريا في اتجاهات متناقضة، فخلال يومين فقط شهد الشارع احتجاجات ضد ارتفاع أسعار المحروقات، وأما على الساحل فظهرت سفن روسية في طرطوس وحميميم بعد الاتفاق الجديد بين سلطة دمشقوموسكو، وفي دمشق، اجتمعت مئات الشركات في معرض دولي لإعادة الإعمار.
تتلاقى هذه المحاور رغم انها تبدو منفصلة، فهي تضع سلطة دمشق أمام سؤال يصعب تأجيله، فكيف يمكن تحويل الانفتاح الخارجي إلى تحسن يشعر به الناس، بينما ترتفع كلفة النقل والغذاء والعمل قبل أن تبدأ مشاريع الإعمار الكبيرة بالظهور؟
الوقود يلخص المشكلة
بدأت الاحتجاجات بعد رفع سعر ليتر المازوت من 125 إلى 175 ليرة سورية، وزيادة أسعار البنزين والغاز.
خرجت تحركات في إدلب وحماة ومناطق أخرى، بينما أُغلقت طرق رئيسية، بينها الطريق بين دمشق وحلب، واعترض محتجون صهاريج متجهة إلى المصافي، وهذه الاحتجاجات الأوسع منذ سقوط النظام السابق.
حسب وزارة الطاقة فإن قرار رفع المحروقات مؤقت، وجاء نتيجة ارتفاع تكاليف الاستيراد والنقل والتأمين، إضافة إلى دخول مصفاة بانياس في فترة صيانة طويلة.
قدمت الوزارة القرار باعتباره الخيار الضروري لتأمين المادة في السوق، لكن تبريرات الوزارة، حتى لو كانت صحيحة من ناحية التكليف، لكنه لا يجيب عن سؤال الناس حول من سيدفع الفرق؟
ينتشر أثر زيادة أسعار المحروقات من محطات بشكل سريع؛ لتدخل في تكاليف النقل والإنتاج، ثم تظهر في أسعار السلع والخدمات.
ومع تقدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن نحو 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، تبدو قدرة معظم الأسر على تحمّل زيادات جديدة محدودة للغاية، فلا يبق القرار مسألة تسعير، بل يتحول إلى اختبار سياسي يتعلق بكيفية توزيع أعباء الأزمة.
الحضور الروسي لا يعني حلاً للسوق
تزامنت هذه الأزمة مع وصول قافلة روسية من سفن عسكرية وتجارية إلى طرطوس وحميميم، في أول عملية إمداد معلنة بعد الاتفاق الذي أعاد تنظيم مستقبل الوجود الروسي في الساحل.
بعض المصادر تحدثت عن مواد مخصصة للمنشآت العسكرية، لكن محتويات الشحنة غير معروفة تماما، كما أن وجهتها النهائية بقيت مجهولة، فهل هي مخصصة للقواعد الروسية؟ أم أن جزء منها سيصل إلى القوات السورية؟
مهما كانت وجهة هذه الشحنة أو محتوياتها فإن المشهد يؤكد أن روسيا ما زالت تعتبر الساحل السوري جزءاً من موقعها الاستراتيجي في المتوسط.
هنا يجب الفصل بين الإمداد الروسي للمنشآت العسكرية وبين توفير الوقود للسوق المحلية، فالأول يعكس استمرار النفوذ، بينما يحتاج الثاني إلى كميات منتظمة وشبكة توزيع وأسعار يمكن للسكان تحملها.
تزداد المفارقة وضوحاً مع اعتماد سوريا على كميات كبيرة من الخام الروسي، في وقت تتعرض فيه صادرات موسكو من المشتقات النفطية لضغوط بسبب تراجع إنتاج المصافي الروسية.
الإعمار يدخل مرحلة الوعود الكبيرة
مع الاحتجاجات انطلقت في دمشق فعاليات معرض “إعمار 2026” بمشاركة 356 شركة محلية وعربية ودولية من 27 دولة، تمثل أكثر من 1700 وكالة تجارية.
تضمن برنامج المعرض لقاءات ثنائية بين رجال الأعمال وندوات وجلسات حوارية ضمن قطاعات الطاقة والصناعة والإنشاءات والتطوير العقاري.
يبقى الانتقال من المشاركة في المعرض إلى استثمارات منفّذة مرتبطاً بوضوح القوانين، وكفاءة النظام المصرفي، واستقرار طرق النقل، وضمان العقود، فرفع العقوبات العربية يزيل جزءاً من العوائق، لكنه لا يضمن تدفق الاستثمارات بصورة تلقائية.
تلتقي مصلحة المستثمر مع مصلحة المواطن من زاويتين مختلفتين، فالشركة تحتاج إلى استقرار الطريق والمرفأ والكهرباء، والسوري يحتاج إلى الشيء نفسه كي يعمل وينقل وينتج، الفارق أن المستثمر يستطيع الانتظار، بينما لا تستطيع الأسرة تأجيل نفقاتها اليومية.
ما الذي ينبغي مراقبته؟
ستحدد الأسابيع المقبلة اتجاه الأزمة بقدر ما تكشف قدرة الحكومة على وصل إدارة الضائقة الراهنة بمشروع إعادة الإعمار.
جوهر المسألة ما إذا كان الانفتاح الخارجي سيغيّر شروط الاقتصاد الداخلي، أم سيبقى منفصلاً عن المجتمع الذي يتحمل كلفة المرحلة الانتقالية، وعند هذه النقطة يتحدد الفارق بين استقرار يستند إلى نتائج، وهدوء مؤقت تؤجله الوعود.
المشكلة في سوريا ليست اختيار روسيا أو الغرب، بل قدرة الدولة على إدارة علاقاتها مع الجميع لمصلحة الداخل، فالاستقرار السياسي يحتاج إلى سند معيشي سريع، وإعادة الإعمار لا تبدأ من الأبراج، بل من طريق مفتوح، ومصفاة تعمل، ووقود لا يحوّل كل رحلة إلى أزمة جديدة.
لوحة تفاعلية تلخّص أبرز الأرقام والاتجاهات الواردة في المقال

