من “شرطة الذاكرة” إلى سوريا الجديدة.. النسيان كسياسة انتقالية

تبدأ الذاكرة الوطنية من التفاصيل التي تبدو عابرة من اسم شارع وتاريخ على روزنامة، وعبارة في كتاب مدرسي، أو صورة معلقة في مؤسسة عامة، وهذه التفاصيل لا تروي الماضي، بل تحدد من يملك حق تمثيله.

في اللحظات الانتقالية، تصبح الذاكرة ساحة سياسية مفتوحة، حيث لا يدور الصراع حول ما حدث فقط، بل حول ما سيسمح له بالبقاء في الوعي العام، وما سيدفع به إلى الهامش أو النسيان.

من هذه الزاوية يمكن قراءة رواية The Memory Police ليوكو أوغاوا بوصفها مرآة قاتمة لما يحدث في سوريا اليوم، ففي الرواية، لا تكتفي السلطة بإخفاء الأشياء؛ بل تدرب المجتمع على فقدان الإحساس بالفقد.

يصبح الاختفاء عاديا، والتذكر جريمة، والذاكرة نفسها فعل مقاومة، ودليل جائزة بوكر يصف الرواية بأنها حكاية عن جزيرة تنظم فيها سلطة قمعية عملية اختفاء الأشياء وتلاحق القادرين على التذكر، ومن بينهم المحرر “R” الذي تخفيه الراوية في غرفة سرية.

ما تقدمه الرواية ليس تشبيها أدبيا مجانيا ويمكن قراءته وفق سياق آخر، فبعد 8 كانون الأول 2024، دخلت سوريا امتحانا لا يقل خطورة عن امتحان السلطة؛ امتحان الذاكرة، حيث تشير “هيومن رايتس وتش” إلى أن ذلك التاريخ أنهى حكم حزب البعث، وفتح فرصة بلد يحترم الحقوق، لكنها حذرت في الوقت نفسه من استمرار العنف، ومن قصور المساءلة، ومن ضعف الشمولية في المرحلة الانتقالية.

نهاية نظام سياسي ليست محوا للتاريخ

تمثل مراجعة الرموز المرتبطة بمرحلة النظام السابق جزءا طبيعيا من أي انتقال سياسي يسعى إلى إعادة تعريف المجال العام، فمن المفهوم أن تعاد دراسة الصور والأسماء والشعارات والمضامين التعليمية التي ارتبطت بالعهد السابق، وأن يفتح نقاش وطني حول ما ينبغي أن يبقى في الفضاء العام وما ينبغي أن ينقل إلى الأرشيف أو المتحف أو الدراسات التاريخية.

حساسية هذه العملية تكمن في ألا تتحول المراجعة إلى حكم أحادي على الذاكرة، أو إلى استبدال سردية رسمية قديمة بسردية رسمية جديدة.

المسألة الحاسمة ليست هل نزيل صورة الرموز القديمة؟ بل ماذا نضع مكانها؟ هل نضع ذاكرة وطنية متعددة، أم نثبت ذاكرة سلطة جديدة؟

إصدار عملة سورية جديدة خالية من صور الشخصيات السياسية، قدم بوصفه تعبيرا عن هوية وطنية جديدة وابتعادا عن تمجيد الأفراد، غير أن الرمز لا يكتسب صفته الوطنية بمجرد إزالة ما سبقه؛ فخروج صورة من الورقة النقدية لا يكفي إذا دخلت مكانها سردية مغلقة تحتكر معنى الوطن، وتختزل الذاكرة العامة في رواية واحدة، ومظلومية واحدة، وبطولة واحدة.

الشارع بوصفه أرشيفا مفتوحا

أخطر ما في الذاكرة العامة أنها تبدو تفصيلا إداريا، من اسم شارع وعطلة رسمية، ولوحة على مدرسة وتاريخ في كتاب، لكنها في العمق أدوات سيادة رمزية، فمن يغير اسم الشارع لا يبدل لافتة فحسب؛ إنه يعيد ترتيب العلاقة بين المكان والتاريخ.

تبدو محاولات تغيير أسماء الشوارع والمناسبات الوطنية ملفا بالغ الحساسية، حيث شهدت سوريا جدلا حول تغيير اسم شارع عبد المنعم رياض في حمص إلى شارع 18 نيسان، ضمن حملة أوسع لإعادة تسمية شوارع وفق رموز مرتبطة بهوية جديدة، وتم إعادة هيكلة العطل الوطنية، بما في ذلك إلغاء إحياء مناسبات مثل 6 تشرين الأول ويوم الشهداء في 6 أيار.

ما يحدث أن الذاكرة الوطنية يتم التعامل معها كغنيمة سياسية، فحرب تشرين، ويوم الشهداء، والاستقلال، والثورة، والمجازر، والسجون، والمنفى، ليست ملكا لحزب أو فصيل أو حكومة انتقالية؛ إنها سويات من الوعي السوري، وحذف بعضها لا يصنع وطنا جديدا؛ بل وطنا مبتورا.

قائمة العطل الرسمية الجديدة أزالت عدة مناسبات مرتبطة بالعهد السابق، وأضافت يوم “الثورة السورية” في 18 آذار ويوم “التحرير” في 8 كانون الأول، بما يعكس سردية وطنية جديدة، وهذه العملية تتحول إلى “شرطة ذاكرة” لأنها أنجزت بقرار فوقي.

المناهج.. الذاكرة حين تدخل الصف

في رواية أوغاوا، الأشياء تختفي تدريجيا حتى يفقد الناس معنى وجودها، وفي الواقع، تقوم المناهج بالدور ذاته ببطء أشد وفعالية أكبر، فالطفل لا يعرف ما حذف من كتابه؛ هو يرث النسخة التي قدمت له بوصفها الحقيقة.

وفق هذه الزاوية تشكل تعديلات المناهج في سوريا ملفا مفصليا، فتم توثيق تعديلات قامت بها وزارة التربية في مطلع 2025 لمناهج الصفوف من الأول حتى الثاني عشر، وألغت مادة “التربية الوطنية” بذريعة أنها تضمنت “دعاية للنظام المخلوع”، وكل ذلك تم بشكل سريع وأحادي ودون مشاركة وطنية.

إزالة المضامين الدعائية من الكتب المدرسية خطوة مفهومة في سياق إعادة بناء التعليم العام، لكن استبدالها بمنظومة أيديولوجية جديدة يعني أن المدرسة لم تتحرر من التوجيه السياسي، بل انتقلت من صيغة تلقين إلى أخرى.

المنهاج الوطني لا ينبغي أن يكتب بمنطق “الغالب” وحده، بل عبر لجنة واسعة تضم مؤرخين وتربويين وحقوقيين وممثلين عن المجتمعات المحلية والناجين وذوي المفقودين، وإلا تحول الصف إلى مساحة ضبط ناعمة، لا تساعد الطفل على التفكير النقدي، بل تملي عليه ما يجب أن يتذكره وما يجب أن ينساه.

العدالة الانتقالية أم ذاكرة المنتصرين؟

كل انتقال يحتاج إلى عدالة، لكن العدالة الانتقالية تصبح خطيرة حين تعترف بضحايا وتطرد آخرين من السردية، وهذا هو الفارق بين العدالة والثأر المؤسسي، العدالة ترى أن كل ضحية تستحق الحقيقة، أما الذاكرة الانتقائية فتقرر هوية: الضحايا الذين يخدمون رواية السلطة ويستحقون المنبر، والباقين عليهم أن يصمتوا.

الخطر الأكبر في سوريا ما بعد كانون الأول 2024 هو ترسيخ عدالة انتقالية تنتج اعترافا انتقائيا بالضحايا، ونظاما انتقائيا للذاكرة والتعويضات.

الأرشيف.. الغرفة السرية التي تمنع الكذبة الكبرى

في The Memory Police، الغرفة السرية التي يختبئ فيها “R” هي آخر مساحة تقاوم الاختفاء، في سوريا، هذه الغرفة اسمها الأرشيف: وثائق السجون، سجلات الأفرع الأمنية، شهادات الناجين، صور قيصر، خرائط المقابر الجماعية، ملفات المنظمات، ومحاضر المحاكم، وهذه كلها بحاجة الى تدقيق وعدالة وقراءة قانونية و أخلاقية خارجية عن سياسة الثأر.

في المراحل الانتقالية، لا يكون الأرشيف مجرد مستودع للوثائق، بل يصبح البنية التحتية للحقيقة، فهو يمنح الذاكرة سندا ماديا، وينقلها من مستوى الشهادة المعرضة للإنكار إلى مستوى الدليل القابل للفحص والمراجعة.

من هنا تنبع خطورة الأرشيف وقيمته لإنه يمنع الإنكار، لكنه يتحول أيضا إلى أداة سلطة إذا احتكر أو فتح انتقائيا، فالذاكرة الموثقة لا تصنع عدالة بذاتها؛ ما يصنع العدالة هو الإطار القانوني والأخلاقي الذي يحدد من يطلع، ومن يفسر، ومن يملك حق استخدام الوثيقة.

وإذا كان الأرشيف مفتوحا بضمانات واضحة، فإنه يخدم الحقيقة العامة، أما إذا ظل حبيس يد واحدة، فإنه يتحول من شاهد على الماضي إلى وسيلة لإدارة الحاضر عبر الابتزاز، والانتقاء، وتوزيع الاعتراف على مقاس القوة.

الذاكرة الموثقة لا تصنع عدالة بذاتها؛ الإطار القانوني والأخلاقي هو من يصنعها ويحدد من يطلع، ومن يفسر، ومن يملك حق استخدام الوثيقة، وإذا كان الأرشيف مفتوحا بضمانات واضحة، فإنه يخدم الحقيقة العامة، أما إذا ظل حبيس يد واحدة، فإنه يتحول من شاهد على الماضي إلى وسيلة لإدارة الحاضر عبر الابتزاز، والانتقاء، وتوزيع الاعتراف على مقاس القوة.

لا وطن بلا ذاكرة كاملة

تحتاج سوريا اليوم إلى ذاكرة لا تدار بمنطق القطيعة الكاملة ولا عبر الاستبدال الرمزي السريع، بل بمنطق الحفظ النقدي، عبر حفظ الأثر، وصون الشهادة، وفتح المجال أمام روايات متعددة عن الألم والخسارة والنجاة، فالمجتمع لا يتعافى بإزالة العلامات وحدها، بل بقدرته على تحويلها إلى مادة للفهم والمساءلة، لا إلى وقود لصراع جديد على الشرعية.

المعيار الأخلاقي في الحاضر ليس تبديل الأسماء والرموز، بل منع قيام سلطة جديدة على الذاكرة؛ سلطة تقرر وحدها ما يستحق البقاء وما ينبغي أن يمحى، فالمطلوب بناء ذاكرة وطنية قادرة على الاعتراف بالتعدد، وبالأحداث المؤسسة، وبالمناسبات الجامعة، وبالضحايا الذين لا تتسع لهم الروايات المنتصرة عادة.

في رواية أوغاوا، تبدأ المقاومة من شخص يحتفظ بقدرته على التذكر، وفي سوريا، تبدأ من مجتمع يرفض أن تصاغ ذاكرته بمرسوم، أو بمنهاج مرتجل، أو بلافتة شارع، أو بعطلة رسمية، فالوطن الذي يعيد ترتيب ذاكرته بلا حوار لا يولد أكثر تماسكا؛ بل يظهر وهو يحمل في داخله بذور نسيان جديد.

ذاكرة سوريا الجديدة | لوحة تفاعلية

من “شرطة الذاكرة” إلى سوريا الجديدة: حين يصبح النسيان سياسة انتقالية

ذاكرة وطنية مفتوحة أم استبدال رمزي؟ قراءة في تعديل الرموز، المناهج، والأرشيف بين رواية يوكو أوغاوا والتحول السوري
مناسبات ألغيت / أعيد تشكيلها
3 حذفت · 2 أضيفت
أُلغيت مناسبات مثل 6 تشرين الأول ويوم الشهداء 6 أيار، وأضيف يوم الثورة السورية (18 آذار) ويوم التحرير (8 كانون الأول). الذاكرة تخضع لسردية سلطة جديدة.
تغيير أسماء الشوارع
حمص · 18 نيسان
تحول شارع عبد المنعم رياض في حمص إلى “شارع 18 نيسان” ضمن حملة أوسع لإعادة تسمية الشوارع وفق رموز هوية جديدة. الشارع أرشيف مفتوح.
تعديلات المناهج (2025)
صفوف 1–12 · إلغاء مادة
وزارة التربية ألغت “التربية الوطنية” بدعوى دعاية النظام السابق، وتمت التعديلات بشكل سريع وأحادي دون مشاركة وطنية واسعة.
الأرشيف كغرفة سرية
مقاومة النسيان
وثائق السجون، صور قيصر، سجلات الأفرع الأمنية. الخطورة تكمن في الاحتكار أو الفتح الانتقائي، بدلاً من أن يكون بنية تحتية للحقيقة.

تحول الرموز الرسمية في الفضاء العام (عدد الرموز المتغيرة)

انقر على الأعمدة لاستعراض تفاصيل من المقال

نهج الذاكرة الوطنية: متعددة أم أحادية؟

انقر على قطاع لإظهار تحليل العدالة الانتقالية

الغرفة السرية: الأرشيف بوصفه بنية تحتية للحقيقة

وثائق السجون والأمن سجلات الأفرع الأمنية، ملفات التعذيب، شهادات الناجين — تمنع الكذبة الكبرى وتحول الذاكرة إلى دليل مادي.
صور قيصر والمقابر الجماعية أدلة على الإبادة والاختفاء القسري، تظل مهددة بالاحتكار أو الاستغلال السياسي إذا لم تفتح بضمانات واضحة.
محاكم الانتقال والاعتراف العدالة الانتقائية تنتج ضحايا مقبولين وآخرين مستبعدين. الأرشيف المفتوح يخدم الحقيقة العامة، لا الابتزاز.
“في المراحل الانتقالية، لا يكون الأرشيف مجرد مستودع للوثائق، بل يصبح البنية التحتية للحقيقة، فهو يمنح الذاكرة سندا مادياً، وينقلها من مستوى الشهادة المعرضة للإنكار إلى مستوى الدليل القابل للفحص والمراجعة.”

مدى تشاركية تعديل المناهج (تقدير نوعي)

انقر على الرسم لعرض تحليل “منطق المنتصر” في التعليم

حالة العطل الوطنية: ذاكرة مبتورة؟

تفاعل لمعرفة المناسبات الملغاة والمضافة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *