براميل بلا ضمانات: ماذا تكشف مقابلة يوسف قبلاوي عن مستقبل النفط السوري؟

في مقابلة يوسف قبلاوي، الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول، لا تبدو المسألة محصورة في إعادة تشغيل قطاع الطاقة أو رفع أرقام الإنتاج، بل في الطريقة التي ستعاد بها صياغة علاقة الدولة السورية بثروتها النفطية.

هذا المورد الذي مول لعقود بنية السلطة، وخرج غالبا من دائرة الرقابة العامة، يقف أمام اختبار جديد؛ إما أن يتحول إلى أساس لعقد اجتماعي أكثر عدالة وشفافية، أو أن يعيد إنتاج الاقتصاد الريعي نفسه بواجهة إدارية أكثر حداثة.

الأرقام حاضرة بكثافة في المقابلة من إنتاج يومي، ورواتب بالدولار واستثمارات مرتقبة، وتعاقدات مع شركات عالمية وبلوكات بحرية وبرية، وموازنات تشغيلية، لكن وفرة الأرقام لا تلغي السؤال الأهم، بل تجعله أكثر إلحاحا، فالقضية ليست في إنتاج البراميل، بل أي دولة ستبنى ومن سيراقب عائداتها، ومن سيدفع كلفة استخراجها، ومن سيحصل على نصيبه العادل منها.

من 600 ألف برميل إلى الانهيار: ذاكرة الريع السوري

تبدأ المقابلة من تاريخ ثقيل، فالإنتاج السوري وصل في ذروته إلى نحو 600 ألف برميل يوميا عام 1996، ثم لامس حوالى 622 ألف برميل يوميا عام 2002، قبل أن يبدأ مسار التراجع الحاد.

حقل العمر، بوصفه نموذجا كاشفا، كان ينتج حوالى 80 ألف برميل يوميا أواخر الثمانينيات، ثم انهار إلى نحو 15 ألف برميل بحلول عام 1991، في مثال على الاستنزاف الجائر وسوء إدارة المكامن .

تتجاوز هذه الأرقام صورة الخلفية التاريخية، فهي الدليل على أن المشكلة السورية لم تكن يوما في ندرة الموارد وحدها، بل في بنية الحكم التي أدارتها، فالنفط حين يستخرج بمنطق تحقيق الربح السريع، ولو كان الثمن استنزاف المورد وإفقار الأجيال المقبلة، يتحول من أصل وطني إلى مورد مستهلك، ومن رافعة تنمية إلى أداة تمويل قصيرة الأجل.

الإيرادات التي اختفت: الاقتصاد السياسي للصندوق الأسود

الأكثر حساسية في المقابلة هو الربط بين النفط والمالية العامة، فعام 1995، بحسب ما ورد، بلغت الموازنة السورية رسميا نحو 3.2 مليارات دولار، بينما كانت قيمة الإنتاج النفطي السنوي المقدرة حوالى 3.7 مليارات دولار، وإذا حسب الاستهلاك المحلي عند 150 ألف برميل يوميا من أصل 600 ألف، يبقى قرابة 450 ألف برميل للتصدير، بقيمة تقارب 2.8 مليار دولار في ذلك العام وحده.

يتجاوز السؤال حدود المحاسبة المباشرة حول مصير الأموال إلى بنية المؤسسات التي تسمح بتتبعها ومساءلة القائمين عليها، فالثروة العامة تكتسب معناها التنموي بقدر ما تدار في الضوء عبر أرقام منشورة، وعقود قابلة للفحص، ورقابة مستقلة، وعائد ملموس يظهر في التعليم والصحة والبنية التحتية وفرص العمل، فحين يدار النفط خارج المجال العام، يتحول المورد الوطني تدريجيا إلى أصل مغلق تحت تصرف السلطة، بدل أن يكون رافعة لحقوق المواطنين ومستقبلهم.

الشركة الجديدة: مرونة إدارية أم تركيز للسلطة؟

يقدم قبلاوي الشركة السورية للبترول ككيان جديد قادر على كسر البيروقراطية، والتعاقد سريعا مع الشركات الأجنبية، وإدارة القطاع بمنطق الشركات العالمية.

لكنه يوضح في الوقت نفسه أن الشركة تتبع الدولة، وأن مجلس إدارتها يضم ممثلين عن الحكومة، وأنها مرتبطة مباشرة برئاسة الجمهورية، بينما لا يوجد حتى الآن مجلس شعب فاعل يصادق على الإطار التشريعي أو يراقب العقود.

هنا تظهر المفارقة المركزية، فالإصلاح الإداري لا يكون حقيقيا بمجرد نقل القرار من وزارة بطيئة إلى شركة أسرع، فهو يتطلب نقل القرار من الغموض إلى العلنية، ومن الولاء إلى الكفاءة، ومن التفويض الرئاسي إلى الرقابة المؤسسية.

السرعة مفيدة في الاقتصاد، لكنها خطرة عندما تعمل بلا كوابح، فالنفط لا يحتاج إلى مدير تنفيذي فقط، بل إلى برلمان وقضاء وصحافة، ومجتمع محلي قادر على السؤال.

الطموح الإنتاجي: من 15 ألفا إلى 800 ألف برميل

يعرض قبلاوي مسارا صاعدا للإنتاج، فقبل استعادة حقول شمال شرق سوريا، كان الإنتاج يقارب 15 ألف برميل يوميا، ثم ارتفع، وفق قوله، إلى حوالى 133 ألف برميل يوميا، مع هدف قريب يتجاوز 155 ألفا، وطموح للوصول إلى 300 – 350 ألف برميل يوميا بنهاية 2027، ثم إلى حوالى 800 ألف برميل يوميا في نهاية 2029 أو بداية 2030 .

هذه أرقام كبرى، لكنها تطرح أسئلة أكبر، فالمقابلة نفسها تصف الحقول بأنها مدمرة، والآبار بأنها تضررت بفعل التفجير والاستخراج الجائر، والبنية التحتية بأنها تعرضت للتخريب، والمولدات والكوابل والمعدات بأنها مدمرة أو منهوبة.

كيف يمكن لقطاع بهذه الحالة أن ينتقل إلى إنتاج يفوق أعلى مستويات ما قبل الحرب؟ ربما يكون الأمر ممكنا نظريا عبر استثمارات ضخمة وتكنولوجيا حديثة واكتشافات جديدة، لكن الخطاب لا يقدم ما يكفي من البيانات المستقلة، فلا تقديرات عن الاحتياطي، ولا كلفة تفصيلية لإعادة التأهيل، ولا جدول استثماري معلن، ولا تحليل مخاطر.

17 بلوكا بريا وخمسة بحرية: الجغرافيا الجديدة للأمل

يستند قبلاوي في تفاؤله إلى وجود 17 بلوكا بريا لم تحفر فيها آبار بعد، بمساحة يصفها بأنها تعادل تقريبا ضعف مساحة لبنان، وإلى وجود خمسة بلوكات بحرية، مساحة كل منها نحو 4000 كيلومتر مربع، مع حديث عن اهتمام شركات كبرى مثل شيفرون وتوتال وقطر للطاقة وكونوكو فيليبس وإيني .

غير أن الاستثمار البحري أكثر تعقيدا مما يوحي به الخطاب، فقبلاوي نفسه يذكر أن البئر الاستكشافي البحري يكلف بين 100 و 120 مليون دولار، مقابل 5 إلى 8 ملايين دولار للبئر البرية.

هذه الكلفة تعني أن الرهان البحري عالي المخاطر وطويل الأجل، ومشروط باستقرار سياسي وقانوني وتمويلي، فلا تكفي أسماء الشركات العالمية لصناعة الثقة؛ لأنها تبنى بالعقود العلنية وبنظام ضريبي واضح وبقواعد تقاسم إنتاج تحمي المصلحة الوطنية.

الرواتب والوظائف: عدالة داخل الشركة أم سوق عمل طبقي؟

تكشف المقابلة أرقاما لافتة عن التوظيف، فالشركة تضم حوالى 26 ألف موظف، مع اعتراف بوجود ترهل وظيفي.

في المقابل، تعرض رواتب عالية نسبيا، فنائب الرئيس بين 4000 و 10 آلاف دولار، والمديرون بين 2000 و 5000 دولار، والمهندس حديث التخرج يبدأ من نحو 2000 دولار، مع مزايا تشمل السكن والسيارة والوقود، وفي الوقت نفسه، هناك موظفون قدامى يتقاضون 100 أو 200 أو 300 دولار فقط .

هذه الفجوة هي اختبار للعدالة داخل المؤسسة، فلا يمكن بناء شركة وطنية برواتب عالمية للنخب الجديدة وأجور شبه معدومة للخبرات القديمة، ولا يمكن تحويل “الكفاءة” إلى ستار لتمييز سياسي أو مناطقي.

الإصلاح الحقيقي لسلم الرواتب يجب أن يقوم على معايير معلنة، لا على القرب من الإدارة أو التصنيف السياسي أو تاريخ الوصول إلى المؤسسة.

العدالة الأمنية: حين يتحول التوظيف إلى فرز سياسي

الأشد إشكالية هو حديث قبلاوي عن الملفات الأمنية، فالموظفون يصنفون ضمن فئات؛ من بقي في وزارة النفط، ومن جاء بعد “التحرير”، ومن استقدم حديثا، وترسل ملفات بعضهم إلى وزارة الداخلية، ويفصل بعضهم بعد شهرين أو ثلاثة إذا تبين أنه “غير صالح” أمنيا، بحسب التعبير الوارد في المقابلة .

هنا ننتقل من الاقتصاد إلى الحقوق، فلا يمكن لمؤسسة وطنية أن تبنى على الاشتباه المفتوح، فمن ارتكب جرما يجب أن يحاسب أمام القضاء، لا عبر تقييم أمني غامض، ومن لم يرتكب جرما يجب أن يتمتع بحماية قانونية وكرامة مهنية، فالعدالة الانتقالية تعني بناء إجراءات عادلة تمنع عودة الجناة وتحمي الأبرياء في آن واحد.

البيئة: الرقم الغائب في معادلة البرميل

تتحدث المقابلة عن تربة سوداء، ومياه ملوثة، ومخاطر إشعاعية، وحقول تحتاج إلى معالجة، ويشير قبلاوي إلى إعادة حقن المياه الملوثة في الآبار، وإلى خطط لمعالجة التربة، وبرامج للسلامة المهنية.

لكن الكارثة البيئية أكبر من كونها بندا تشغيليا، فمناطق النفط دفعت ثمنا صحيا واجتماعيا خلال سنوات الحرب، وفي الاقتصاد التقليدي، تحسب كلفة البرميل عبر الحفر والنقل والتكرير، أما في اقتصاد العدالة، فيجب أن تحسب معها كلفة التلوث، وفقدان سبل العيش، ومن دون صندوق تعويضات بيئي وصحي، سيبقى النفط ربحا للشركة وخسارة للمجتمع.

المشكلة في قواعد اللعبة

مقابلة قبلاوي تقدم صورة عن طموح كبير واندفاعة إدارية واضحة، لكنها تكشف أيضا هشاشة الإطار المؤسسي الذي يتحرك فيه هذا الطموح، فالأرقام وحدها لا تصنع تنمية.

التنمية ليست سباقا على الإنتاج، بل هندسة عادلة للمؤسسات، السؤال السوري الحقيقي ليس كم ستنتج الشركة السورية للبترول، بل من يملك حق معرفة عقودها؟ زمن يراقب إنفاقها؟ ومن يعوض المجتمعات المتضررة؟ ومن يضمن أن النفط لن يصبح موردا للدولة فوق المجتمع، بدل أن يكون ملكية عامة للمجتمع عبر الدولة؟

سوريا لا تحتاج فقط إلى براميل أكثر، بل إلى قواعد عادلة، فالنفط يمول الموازنة، لكنه لا يبني دولة ما لم يحكم بالقانون، ويراقب بالشفافية، ويوزع بمنطق المواطنة لا بمنطق الولاء.

لوحة نفط سوريا التفاعلية | الأرقام الكبرى لدولة لم تبن بعد

نفط سوريا الجديد: أرقام كبيرة لدولة لم تبن بعد

لوحة تفاعلية تستعرض تطور الإنتاج، فجوة الرواتب، تكاليف الحفر، والبلوكات النفطية · مستندة إلى مقابلة يوسف قبلاوي (الشركة السورية للبترول)
أكثر من مجرد براميل: من 600 ألف برميل يومياً في التسعينيات إلى طموح 800 ألف برميل 2030، بين إعادة الإعمار ومخاطر الإدارة الريعية. الأرقام التالية تلخص جوهر التقرير الاقتصادي – السياسي حول مستقبل الثروة النفطية السورية.
الإنتاج الحالي (تقدير)
~133 ألف برميل/يوم
هدف 2027
300–350 ألف
هدف 2030
800 ألف برميل/يوم
بلوكات برية / بحرية
17 + 5

مسار الإنتاج النفطي (ألف برميل يومياً)

من الذروة التاريخية إلى الانهيار ثم طموحات التعافي – أرقام حقيقية وأهداف مستقبلية
المصدر: مقابلة يوسف قبلاوي + بيانات تاريخية (1996: 600 ألف برميل/ي، 2002: 622 ألف، مرحلة الانهيار ~15 ألف، ثم 133 ألف حالياً، أهداف 2027/2030)

تفاوت الرواتب الشهري (بالدولار)

هوة بين النخبة الجديدة والخبرات القديمة – اختبار العدالة الداخلية
المقابلة: نائب الرئيس (4-10 آلاف $)، مديرون (2-5 آلاف $)، مهندس حديث (2000$)، موظفون قدامى (100-300$). المتوسطات الموضحة لأغراض التحليل.

تكلفة البئر الاستكشافي (مليون دولار)

الرهان البحري أعلى بكثير ويتطلب استقراراً سياسياً وتمويلياً
قبلاوي: البئر البري (5-8 مليون $)، البئر البحري (100-120 مليون $). المتوسطات: 6.5 و 110 مليون دولار.

البلوكات النفطية الجديدة

17 بلوكاً برياً (مساحتها تعادل ضعف لبنان) + 5 بلوكات بحرية (4000 كم² لكل منها)
استناداً للمقابلة: مساحة البرّ غير المستكشفة كبيرة جداً، والبلوكات البحرية تمثل فرصة عالية المخاطر.

نموذج كاشف: حقل العمر (ألف برميل يومياً) – من الاستنزاف الجائر إلى الانهيار

مثال على سوء إدارة المكامن: انهار الإنتاج من 80 ألف برميل/ي أواخر الثمانينيات إلى 15 ألفاً بحلول 1991
الأرقام من المقابلة: حقل العمر كان ينتج ~80 ألف برميل يومياً أواخر الثمانينيات، تراجع حاد إلى 15 ألفاً عام 1991 بسبب النهب الاستخراجي.

قراءة تحليلية سريعة: الأرقام أعلاه تظهر فجوة هيكلية: إعادة البناء النفطي تتطلب أكثر من مجرد رفع الإنتاج. التوازن بين الرواتب، الرقابة المؤسسية، والاستثمار البحري عالي التكلفة يمثل اختباراً حقيقياً لـ”عقد اجتماعي جديد”. اللوحة مستوحاة من تقرير “نفط سوريا الجديد: أرقام كبيرة لدولة لم تبن بعد”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *