وصول وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في الحكومة الانتقالية إلى إسلام آباد، في 20 آب 2026، يكتسب دلالة تتجاوز كونه أول زيارة لوزير خارجية سوري إلى باكستان منذ تسعة عشر عاما.
التوقيت يضع الزيارة عند تقاطع ثلاثة تحولات؛ محاولة سلطة دمشق إعادة بناء شبكتها الخارجية، وصعود باكستان داخل ترتيبات أمنية تقودها السعودية وتركيا، وتصاعد الضغط “الإسرائيلي” على المجال العسكري السوري.
السؤال المركزي يتجاوز حجم التعاطف بين البلدين، ويرتبط بقدرتهما على إنتاج مصالح متبادلة، فالعلاقة السورية الباكستانية تمتلك ذاكرة عسكرية وهوية سياسية مشتركة، بينما ترتكز العلاقة الهندية – “الإسرائيلية” على السلاح والتكنولوجيا والاستثمار والممرات البحرية، فالأولى غنية بالمعنى وفقيرة في البنية، والثانية أقل عاطفية وأكثر كثافة مادية.
علاقة ولدت في سماء الجولان
البعد الخاص في علاقة دمشق بإسلام آباد يعود إلى مرحلة تجاوزت فيها باكستان حدود جنوب آسيا.
بدأت العلاقات الدبلوماسية عام 1949، ثم اكتسبت طابعا استثنائيا عندما شارك طيارون باكستانيون في دعم القوات الجوية السورية خلال المواجهة مع “إسرائيل” في سبعينيات القرن الماضي، وحملت تلك المشاركة رسالة واضحة، فأمن باكستان القومي لم يكن محصورا بكشمير والهند، بل امتد رمزيا إلى فلسطين والجولان.
خلال حرب تشرين الأول 1973 وما تلاها، تشكلت صورة باكستان في الوعي الرسمي السوري بوصفها دولة إسلامية تملك قدرة عسكرية واستعدادا لاستخدامها، وزيارات الرئيس الراحل حافظ الأسد إلى باكستان، والتعاون بين كليات القيادة والأركان، وتبادل الضباط، منحت العلاقة مضمونا يتجاوز بيانات التضامن.
استمرت هذه الذاكرة عبر مؤسسة تبدو للوهلة الأولى بعيدة عن الجغرافيا السياسية من خلال المدرسة الباكستانية الدولية في دمشق التي تأسست عام 1982، واعتمدت نظاما تعليميا باللغة الإنجليزية مرتبطا بجامعة كامبريدج، واستقطبت أبناء شرائح من النخبة السورية.
بهذه الآلية بنت إسلام آباد قناة نفوذ اجتماعي طويلة الأمد داخل العاصمة، وحافظت على حضورها حتى عندما تقلص التعاون العسكري.
الذاكرة لا تصنع محورا وحدها
السياسة الباكستانية خلال الحرب السورية تكشف حدود الرواية العاطفية، فإسلام آباد أيدت في شباط 2012 مشروع قرار في مجلس الأمن يدعم خطة الجامعة العربية للانتقال السياسي، ثم امتنعت لاحقا عن التصويت على مشروع عقوبات تحت الفصل السابع.
مع تطور الحرب، اقترب موقفها من رفض إسقاط الدولة السورية بالقوة، وهذه السياسة تعبر عن موازنة بين السعودية وتركيا وإيران وروسيا والصين، أكثر منها تحالف ثابت مع دمشق.
الاقتصاد يقدم المقياس الأكثر قسوة، حيث بلغ إجمالي التجارة الثنائية نحو 8.7 ملايين دولار عام 2022، بعدما سجل 25.7 مليون دولار عام 2020، وهذه أرقام محدودة حتى بمعايير دولتين تواجهان أزمات مزمنة، وتدل على غياب قاعدة إنتاجية أو مالية تدعم علاقة الدولتين عند تغير الحكومات.
المسار الذي بدأ بعد التحول السياسي السوري عام 2024 اتخذت بعدا أمنيا، فزارت وفود باكستانية دمشق، ثم توجه وفد أمني سوري إلى إسلام آباد في آب 2025 لبحث مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة وتبادل المعلومات.
تستطيع باكستان تقديم تدريب عسكري وخبرة استخباراتية وأدوية ومنتجات زراعية، بينما تمنح سوريا إسلام آباد موطئ قدم في المشرق وقناة إلى ملفات المقاتلين العابرين للحدود.
الهند و”إسرائيل”.. المادة قبل الرمز
المقارنة مع الهند و”إسرائيل” تكشف بنية مختلفة جذريا، فالشراكة بين نيودلهي و”تل أبيب” تقوم على تكامل واضح، فالهند توفر السوق والحجم والقدرة الصناعية، و”إسرائيل” تقدم منظومات الاستطلاع والطائرات المسيرة والصواريخ والدفاع الجوي والتقنيات الزراعية والمائية.
مذكرة التعاون الدفاعي الموقعة في تشرين الثاني 2025، وزيارة رئيس الوزراء الهندي إلى “إسرائيل” في شباط 2026، ومسار التفاوض على اتفاقية تجارة حرة، تظهر انتقال العلاقة من التعاون القطاعي إلى شبكة استراتيجية متكاملة.
بقيت الهند خلال الفترة 2021–2025 ثاني أكبر مستورد للسلاح في العالم، فيما احتلت “إسرائيل” موقعا متقدما بين مورديها، وأهمية العلاقة لا تقاس بالمشتريات وحدها، لأن الشركات الهندية و”الإسرائيلية” تطور شراكات إنتاج وبحث وتسويق لدول ثالثة.
تتحول التكنولوجيا العسكرية، بهذه الطريقة، إلى أداة لإعادة تشكيل الصناعة الهندية وليس مجرد سد حاجة ميدانية.
ميناء حيفا يضيف الجغرافيا إلى السلاح، فاستحوذت شركة موانئ أداني الهندية على 70% من الميناء، بينما تضع صيغة I2U2 الهند و”إسرائيل” والإمارات والولايات المتحدة داخل إطار اقتصادي واحد، فتتحول العلاقة إلى بنية تحتية تربط المحيط الهندي بالبحر المتوسط، وتمنح نيودلهي منفذا إلى شبكات التجارة والتكنولوجيا الغربية.
أربع دول لا محوران متقابلان
صورة محور سوري – باكستاني يواجه محورا هنديا – “إسرائيليا” تبدو جذابة إعلاميا، لكنها تتجاهل الوقائع.
دمشق حافظت على علاقات معتبرة مع نيودلهي، التي أبقت سفارتها مفتوحة خلال الحرب ووفرت منذ عام 2017 نحو 1500 مقعد جامعي للطلاب السوريين.
بلغت التجارة الهندية – السورية في السنة المالية 2025–2026 قرابة 147 مليون دولار، أي أضعاف التجارة السورية الباكستانية.
الرواية الباكستانية الرسمية تتحدث عن تفهم سوري لموقف إسلام آباد من كشمير، لكن المصالح السورية مع الهند تجعل تحول دمشق إلى منصة معادية لنيودلهي خيارا مكلفا، وبالمقابل، تحتفظ الهند بعلاقات واسعة مع دول الخليج وإيران والسلطة الفلسطينية، ولا تسمح لشراكتها “الإسرائيلية” بابتلاع كامل سياستها العربية.
المفارقة الأساسية تكمن في أن سوريا لا تمثل لباكستان ما تمثله إسرائيل للهند، فـ”تل أبيب” مورد تكنولوجي وعسكري وميناء استراتيجي لنيودلهي، بينما تمثل دمشق لإسلام آباد رصيدا سياسيا ورمزيا وبوابة محتملة إلى المشرق، والفارق بين الوظيفتين يفسر التفاوت في حجم الاستثمار والدعم المؤسسي.
العامل التركي السعودي والضغط “الإسرائيلي”
اتفاق الدفاع المشترك الذي وقعته باكستان والسعودية وتركيا في مكة في 7 آب 2026 يمنح العلاقة السورية الباكستانية سياقا جديدا، خصوصا مع ارتباط سلطة دمشق الحالية المتزايد بأنقرة والرياض.
سوريا ليست طرفا في الاتفاق، لذلك لا تشملها مظلته القانونية، لكن إسلام آباد تستطيع العمل كحلقة وصل في التدريب والتنسيق الأمني وإعادة بناء المؤسسات.
الاعتداءات “الإسرائيلية” على قاعدة أبو الظهور قبل زيارة الشيباني بيومين أظهرت حساسية أي حضور عسكري تركي أو إقليمي داخل سوريا.
كلما تعمق التعاون السوري مع باكستان وتركيا، ستراقب “إسرائيل” طبيعته وحدوده، خصوصا إذا انتقل من التدريب إلى الدفاع الجوي أو مشاركة المعلومات.
من الرمز إلى الوظيفة
المسار الأكثر ترجيحا يتمثل في شراكة أمنية محدودة تشمل تدريب الضباط ومكافحة التنظيمات العابرة للحدود والتعاون الدوائي والزراعي.
أي مسار أوسع يحتاج إلى خطوط ائتمان ونقل منتظم ولجان دفاع وتجارية دائمة، وهي أدوات ما تزال غائبة، ومؤشرات التحول الحقيقي ستكون في إعادة برامج الكليات العسكرية، وتوقيع اتفاقات لحماية الاستثمار، وظهور مشروعات باكستانية داخل عملية الإعمار.
سوريا وباكستان تمتلكان تاريخا يبحث عن مؤسسات، والهند و”إسرائيل” تمتلكان مؤسسات تعيد صياغة الجغرافيا.
مستقبل العلاقة السورية الباكستانية سيتوقف على قدرة سلطة دمشق وإسلام آباد على تحويل ذاكرة الجولان إلى مصالح يومية، من دون تحويل سوريا إلى ساحة إضافية في الصراع الهندي الباكستاني أو استنساخ مواجهة إقليمية لا تملك مواردها.
حجم التجارة الثنائية (مليون دولار)
محطات رئيسية في العلاقة السورية الباكستانية
ركائز الشراكة الهندية-الإسرائيلية
طبيعة العلاقة: رمزية vs. مادية
الهند–إسرائيل: علاقة أقل عاطفية لكنها أكثر كثافة مادية (تكامل صناعي، ممرات بحرية، شبكات استراتيجية).
العوامل الإقليمية المؤثرة (2026)
الضغط الإسرائيلي: قصف أبو الظهور (قبل زيارة الشيباني بيومين) يظهر حساسية أي حضور عسكري إقليمي داخل سوريا. تراقب إسرائيل طبيعة التعاون العسكري بين دمشق وإسلام آباد.

