سوريا ما بعد البعث: استقرار يُعرض ووظيفة تُفرض

في 22 نيسان 2026، بدا الخبر السوري للوهلة الأولى ثقافيا وخفيفا؛ الدورة الثانية من تظاهرة “أفلام الثورة السورية” في دمشق، ببرنامج يضم 24 فيلما روائيا ووثائقيا عن الثورة وتحولاتها الاجتماعية والإنسانية.

هذا النوع من الأخبار لا يقرأ في سوريا الجديدة على هامش السياسة، لأن السلطة التي تسمح اليوم بإدخال “الثورة” إلى فضاء رسمي لا تفعل ذلك في فراغ ثقافي، بل في لحظة إقليمية ودولية يجري فيها التفاوض على وظيفة سوريا نفسها: ماذا تمثل، ولمن، وبأي ثمن؟

المشكلة في معظم القراءات السريعة أنها تتعامل مع هذا المشهد كدليل تلقائي على الانفتاح؛ دار أوبرا وأفلام عن الثورة، ودولة تتصالح مع ذاكرتها، ومؤسسات تستعيد إيقاع الحياة الطبيعية، وهذا التفسير مفبرك كثيرا.

الخبر لا يقول فقط إن الثورة صارت قابلة للعرض؛ بل إنها صارت قابلة للإدارة، وهذا فرق جوهري، فما يدرج في المؤسسة لا يحتفظ ببراءته، بل يصل ويعاد تشكيل معناه، ويضبط، وينزع منه ما يجعله خطرا على السلطة الجديدة كما كان خطرا على السلطة القديمة، وإن بأشكال مختلفة.

هنا يتجاوز النشاط الثقافي حدوده الشكلية ليغدو فعلا جيوسياسيا، فمن يضبط سردية الثورة، يقترب من التحكم بمآلات سوريا ما بعد الحرب.

سوريا ما بعد البعث: دولة تتشكل أم صورة تسوق؟

سوريا دخلت طورا سياسيا مختلفا بعد كانون الأول 2024، والسلطة الجديدة بقيادة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع تحركت سريعا لتثبيت نفسها عبر حوار وطني في شباط/ 2025، ثم إعلان دستوري في 13 آذار 2025 لمرحلة انتقالية تمتد خمس سنوات، وهذا التسارع لم يكن مرادفا لتوافق وطني مستقر، بل محاولة سريعة لبناء مركز سياسي جديد قبل أن تستقر الأرض التي يقف عليها.

ظهر ذلك في الانتقادات الواسعة لطبيعة المسار الانتقالي، وفي اعتراض القوى الكردية على الإطار الدستوري بوصفه متمركزا في السلطة التنفيذية ويعيد إنتاج نزعة سلطوية بلباس جديد، وهنا يصبح خطاب “سوريا الجديدة” مثيرا للشك.

التعبير يوحي بأن البلاد تجاوزت المرحلة التأسيسية ودخلت زمن المؤسسات الطبيعية، بينما الوقائع تشير إلى شيء أكثر هشاشة؛ سلطة انتقالية تسعى إلى تثبيت الشرعية بسرعة، ومجتمع لم يستوعب بعد صدمة التحول، وأطراف داخلية لا تزال تشك في معنى هذا الانتقال وحدوده.

المشكلة ليست أن ثمة تغييرا لم يحدث؛ بل أن هذا التغيير يسوق على أنه اكتمل قبل أن يختبر نفسه اجتماعيا ودستوريا وأمنيا، فتصبح “سوريا الجديدة” صورة سياسية جاهزة أكثر منها حقيقة منجزة.

الجيوسياسة أولا: لماذا يستعجل الغرب الاعتراف؟

لو كانت المسألة داخلية فقط، لبقي النقاش في حدود الدستور والتمثيل والشرعية، لكن ما يرفع الخبر الثقافي إلى مستوى التحليل الجيوسياسي أن صورة “الانتقال السوري” تبنى في لحظة تتغير فيها مقاربة أوروبا والغرب لسوريا بسرعة لافتة.

في 20 نيسان 2026 اقترحت المفوضية الأوروبية الاستئناف الكامل لاتفاق التعاون مع سوريا، بعد مسار أوسع من تخفيف العقوبات واستعادة الانخراط السياسي، وقبل ذلك بثلاثة أيام، كشفت وثيقة اطلعت عليها رويترز أن الاتحاد الأوروبي يتجه إلى استعادة العلاقات الرسمية مع دمشق وتعزيز التجارة والتعاون الأمني، وربط سوريا بمشاريع عبور وطاقة وتجارة أوسع.

هذه ليست مجاملة دبلوماسية، بل لغة مصالح، فبحسب الوثائق الأوروبية التي نقلتها رويترز، اكتسبت سوريا أهمية استراتيجية متزايدة بوصفها ممرا محتملا في مشاريع الربط الإقليمي، لا سيما مع أزمة الطاقة الناتجة عن إغلاق مضيق هرمز خلال الحرب مع إيران، إضافة إلى دورها المحتمل في مسار الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا.

الغرب لا يرى في سوريا الجديدة قصة تحرر سياسي فقط؛ بل جغرافيا قابلة للاستخدام، وفي اللحظة التي تقرأ فيها دولة ما بوصفها “عقدة ترانزيت” أو “شريكا أمنيا” أو “بوابة عودة للاجئين”، يبدأ خطر اختزالها إلى وظيفة، لا إلى سيادة.

من الدولة إلى المنصة: سوريا كأداة استقرار للآخرين

ما يقدم باعتباره عودة سوريا إلى النظام الإقليمي، في أحد وجوهه، إعادة إدخالها بوصفها منصة لتسوية مشكلات الآخرين.

أوروبا تريد قناة سياسية وأمنية مع دمشق، وتريد بيئة تسمح بدفع ملف عودة اللاجئين، وتريد كذلك موطئ نفوذ داخل إعادة تشكيل المشرق، والوثيقة الأوروبية نفسها تحدثت عن دعم إعادة دمج المناطق الكردية في الدولة السورية وتقوية الحوكمة المحلية والشرطة، فالغرب لا يتحرك فقط باعتباره داعما لانتقال سياسي، بل باعتباره مهندسا لشكل الاستقرار المرغوب.

هنا تصبح عبارة “سوريا الجديدة” أقل براءة بكثير، لأن السؤال ليس ما إذا كانت سوريا تتغير، بل لصالح أي ترتيب تتغير، فهل هي بصدد بناء دولة وطنية تستعيد قرارها؟ أم يجري دفعها إلى نموذج الدولة الوظيفية مستقرة بالقدر اللازم لعبور المشاريع، منضبطة بالقدر اللازم للشراكات الأمنية، وقابلة للتسويق بالقدر اللازم لتبرير التطبيع السياسي؟

هذا ليس سؤالا بلاغيا، إنه سؤال تحدده طبيعة الانخراط الخارجي نفسه، وتسارع إعادة التأهيل الدبلوماسي قبل استكمال التسوية الداخلية.

الثورة حين تدخل القصر الثقافي

ضمن هذه الرؤية لا تبدو تظاهرة “أفلام الثورة السورية” مجرد فعالية فنية، فهي مشهد نموذجي من مشاهد إعادة هندسة السردية.

السلطة الجديدة تحتاج الثورة مصدرا للشرعية، لكنها تحتاج أيضا إلى ضبطها حتى لا تبقى قوة مفتوحة على المحاسبة والتعدد والاختلاف، ويجري نقلها من مجال الصراع المفتوح إلى المؤسسي المنظم، وتصبح الثورة قابلة للعرض، لكن ضمن برنامج رسمي؛ قابلة للتأويل، لكن داخل قاعة مضبوطة؛ حاضرة بوصفها ذاكرة، لا بوصفها مطالبة دائمة بإعادة توزيع السلطة، هذه ليست مصالحة مع الماضي بقدر ما هي محاولة لامتلاكه.

ما يجعل صورة “الانفتاح الثقافي” موضع ريبة هو أن الثقافة تغدو أداة ناعمة لإنتاج مشهد دولة طبيعية قبل أن تحل الأسئلة غير الطبيعية كلها، فمن يضمن التمثيل؟ من يطمئن المكونات الرئيسية السورية والتي أصبحت تحت مسمى”أقليات” ؟ من يحدد حدود المركزية؟ ومن يمنع أن تتحول الثورة، بعد أن أسقطت سلطة، إلى مادة تستخدمها سلطة أخرى لتثبيت نفسها؟ النقد الحقيقي يبدأ من هذا التناقض، لا من الاحتفاء بالشكل.

الوجه الآخر للتطبيع: اللاجئون و”الأقليات”

ولعل أكثر ما يكشف البعد الوظيفي لصورة سوريا الجديدة هو التناقض الصارخ بين خطاب التطبيع الخارجي وواقع الحماية الداخلية.

في 22 نيسان 2026 نفسه، نشرت رويترز تحقيقا عن ارتفاع رفض طلبات لجوء سوريين من “الأقليات” في أوروبا بعد سقوط البعث، رغم استمرار تعرض علويين ودروز وكرد ومسيحيين وشيعة لانتهاكات ومخاطر تحت الحكم الجديد، فـ”سوريا الأكثر أمانا” التي يجري تسويقها أوروبيا تصلح لتقييد اللجوء، لكنها لا تعني بالضرورة أن الداخل السوري حسم تناقضاته أو وفر ضمانات متساوية لجميع مكوناته.

هذه ليست ملاحظة جانبية؛ إنها جزء من الجيوسياسة نفسها؛ صورة الدولة يتم استخدامها في الخارج كأداة سياسة داخلية أوروبية أيضا.

يخطئ من يقرأ الخبر الثقافي بوصفه مجرد نشاط، ومن يبتلع خطاب “سوريا الجديدة” كما لو أنه توصيف محايد.

ما يجري أعمق من ذلك، فثمة سلطة جديدة تحاول احتكار رواية الثورة، وبيئة دولية تستعجل تحويل هذا الانتقال إلى شراكة، وقوى خارجية ترى في سوريا ممرا وعقدة نفوذ قبل أن تراها دولة في طور إعادة بناء سيادتها.

السؤال الجيوسياسي الحاسم ليس هل تغيرت سوريا؟ بل إلى ماذا يراد لها أن تتحول؟ إلى دولة تستعيد ذاتها، أم إلى بلد يعاد تأهيله لأنه صار مفيدا وفق موقف الآخر لا السوريين أنفسهم؟

لوحة تفاعلية: سوريا الجديدة أم سوريا الوظيفية؟

سوريا الجديدة أم سوريا الوظيفية؟

كيف يعاد تسويق دمشق بوصفها عقدة عبور لا دولة سيادة – تحليل تفاعلي (22 نيسان 2026)

تسارع الانخراط الأوروبي

من العقوبات إلى الاستئناف الكامل للاتفاقية
20 نيسان 2026
المفوضية تقترح استئناف الاتفاق
17 نيسان 2026
رويترز: استعادة العلاقات الرسمية
الدافع الجيوسياسي: إغلاق مضيق هرمز، الممر الاقتصادي الهندي-الشرق الأوسط-أوروبا، وأزمة الطاقة.

دولة سيادة أم منصة وظيفية؟

وجهان لسوريا ما بعد البعث

الدولة السيادية

  • قرار مستقل، سيادة كاملة
  • ضمانات للأقليات والحماية
  • تنمية داخلية قبل المشاريع الخارجية
  • مساءلة وشفافية في الحوكمة

الدولة الوظيفية

  • عقدة عبور وممر للنفوذ
  • استقرار بالحد الأدنى للشراكات الأمنية
  • تسويق لصورة آمنة لتقييد اللجوء
  • هندسة للسردية الثقافية (أفلام الثورة)
الخطر: اختزال سوريا إلى أداة لحل مشكلات الآخرين

الثورة تدخل القصر الثقافي

تظاهرة “أفلام الثورة السورية” – 22 نيسان 2026
24 فيلماً
روائياً ووثائقياً
دمشق
في فضاء رسمي

المغزى: ليست مصالحة مع الماضي، بل محاولة لامتلاكه. الثورة تصبح قابلة للعرض ضمن برنامج رسمي، منزوعة القوة المطلقة للمحاسبة وإعادة توزيع السلطة.

الخط الزمني لتحول سوريا (2024-2026)

من سقوط البعث إلى تسويق “سوريا الجديدة”
كانون الأول 2024
بدء المرحلة الانتقالية بقيادة الرئيس أحمد الشرع.
شباط 2025
الحوار الوطني لتثبيت الشرعية.
13 آذار 2025
إعلان دستوري انتقالي لمدة خمس سنوات – انتقادات من القوى الكردية والطابع السلطوي الجديد.
17 نيسان 2026
رويترز: وثيقة الاتحاد الأوروبي لاستعادة العلاقات الرسمية وتعزيز التجارة والتعاون الأمني.
20 نيسان 2026
المفوضية الأوروبية تقترح الاستئناف الكامل لاتفاق التعاون مع سوريا.
22 نيسان 2026
انطلاق الدورة الثانية من “أفلام الثورة السورية” – تسويق ثقافي متزامن مع الانفتاح الأوروبي.

الوجه الآخر للتطبيع

حقيقة الحماية الداخلية مقابل الصورة المسوقة
علويون، دروز، كرد، مسيحيون، شيعة
أقليات تتعرض لانتهاكات رغم الحكم الجديد
تحقيق رويترز (22 نيسان 2026): ارتفاع رفض طلبات لجوء سوريين من الأقليات في أوروبا بعد سقوط البعث، بحجة أن “سوريا أصبحت آمنة” – بينما الانتهاكات مستمرة.
البيانات والتحليلات مستخلصة من مقال “سوريا الجديدة أم سوريا الوظيفية؟” بتاريخ 22 نيسان 2026. اضغط على أي بطاقة لقراءة النص التحليلي المرتبط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *