في الصفوف السورية، لا يقرأ الطلاب معلومات جديدة فحسب؛ يتلقون أيضا تصورا عما يستحق أن يحفظ في ذاكرة البلاد، ومن يستحق أن يظهر في صورها، وأي قيم تحدد الانتماء إليها.
عمليا اكتسبت التعديلات التي بدأت أواخر 2024 وزنا يتجاوز تفاصيل الكتب، فحذف درس أو تغيير مصطلح أو تعديل صورة يرسم حدود الحكاية الوطنية التي سترافق جيلا كاملا، وبينما تسعى سلطة دمق إلى توحيد مناهجها بعد سنوات من الانقسام، تكشف هذه القرارات عن صراع أعمق على صياغة الهوية الثقافية، وعلى الجهة التي تملك حق اختيار مكوناتها.
كان حذف صور عائلة الأسد وشعاراتها وعلم النظام خطوة مفهومة بعد عقود من حضور السلطة السياسية في التعليم، غير أن قوائم التعديلات التي نشرتها وزارة التربية مطلع 2025 تجاوزت إزالة الرموز، وشملت موضوعات ومصطلحات في التربية الدينية والتاريخ والعلوم والفلسفة.
في الوقت نفسه، قال الوزير آنذاك إن المناهج ستبقى على حالها إلى حين تشكيل لجان مختصة، وهذا التباين بين اتساع القوائم وضيق التوضيح الرسمي أظهر مبكرا أن القضية تتعلق بمن يملك قرار إعادة تحديد ما يقدم للطلاب بوصفه معرفة مشتركة، لا بمجرد تنقيح كتاب.
إزالة الدعاية لا تكفي لصناعة هوية جامعة
تحتاج مراجعة المناهج إلى فحص الطريقة التي تعرض بها تاريخ البلاد ومؤسساتها، والتأكد من أنها تتيح للطلاب معرفة متعددة المصادر ولا تختزل المجتمع في رواية واحدة، وإلى تدريس التاريخ بصيغة تخدم شرعية سياسية واحدة.
غير أن حذف الرواية القديمة لا ينتج تلقائيا رواية أكثر عدلا، فعندما تلغى موضوعات عن حضارات ما قبل الإسلام أو شخصيات تاريخية أو نظرية علمية، من دون شرح تربوي معلن أو مشاركة خبراء ومجتمع، يبرز سؤال آخر، فهل يجري تحرير المعرفة من الدعاية، أم تأكيد معيار أيديولوجي محدد؟
لا تتحدد هوية الطالب بما يقرأه فحسب، بل بما يمنع عنه أيضا، فحذف فصل أو مصطلح يترك أثرا صامتا، فبعض الأحداث والشخصيات تعد مركزية، وأخرى هامشية أو غير جديرة بالذكر، وهكذا يتعلم الطالب حدود الذاكرة المقبولة قبل أن يتعلم كيف يفحص الروايات المتنافسة.
لا تكفي نيات تصحيح التاريخ، علما أن السلكة الانتقالية لا تملك هذا الحق، فالمطلوب أن تكون أسس الاختيار قابلة للفهم والنقاش، وأن يميز الكتاب بين الوقائع التاريخية والتفسير الديني أو السياسي لها.
الصورة درس قائم بذاته
في طبعات 2026، اتسع النقاش من النصوص إلى الصور، وتحققت منصة “تأكد” من تعديلات شملت طمس صور نساء وأطفال، وإضافة الحجاب إلى رسوم نسائية، وتغطية تماثيل أو حذف أعمال فنية.
كما رصدت تغييرات في كتاب الدراسات الاجتماعية للصف السادس، بينها حذف دروس عن المواطنة والإدارة المحلية والحياة السياسية والإعلام والمشاركة الديمقراطية، وهذه التعديلات ظهرت في نسخ ورقية ورقمية معتمدة، فيما لم تنشر الوزارة تفسيرا تفصيليا لكل تغيير على حدة.
لا تعمل الصورة المدرسية بوصفها زينة للنص لأنها تحدد من يظهر في المجال العام، وما المظهر الذي يعرض باعتباره طبيعيا، وأي وجوه وأعمال فنية تختفي من ذاكرة الأطفال.
تمثيل امرأة محجبة وحده ليس مشكلة؛ القضية تنشأ حين يصبح هذا التمثيل وحيدا أو حين تمحى صور أخرى من دون معيار تربوي واضح.
كما أن حذف دروس المشاركة والمواطنة يترك فراغا في معرفة الطالب بكيفية إدارة الشأن العام، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى جيل يفهم المؤسسات المحلية وحقوقه ودوره فيها.
توحيد الكتب واختبار التعدد
أعلنت وزارة التربية اعتماد منهاج دمشق في المحافظات خلال العام الدراسي 2026–2027، تمهيدا لتأليف مناهج جديدة وفق معايير وطنية.
يعالج التوحيد جانبا من الانقسام التعليمي الذي خلفته سنوات الحرب، لكنه يمنح المركز سلطة أوسع على ما يتعلمه الطلاب في مناطق تختلف خبراتها ولغاتها وذاكرتها، وفي هذا السياق، يحمل إدخال اللغة الكردية إلى التعليم الرسمي دلالة مهمة، شرط أن يرافق الاعتراف بها حضور حقيقي للتعدد الثقافي في بقية المواد أيضا.
المناهج الموحدة قادرة على بناء مرجعية مشتركة، إذا صيغت المشاركة فيها على مستوى البلاد، أما إذا اقتصرت الوحدة على اعتماد كتاب واحد، بينما ظلت قرارات الحذف والتمثيل غامضة، فستتحول المركزية إلى نقل الخلاف من المناطق إلى صفحات الكتاب.
هوية تبنى بالنقاش لا بالمحو
ليس أمام سوريا خيار بين تمجيد الماضي أو محوه، فهناك ما هو أصعب؛ بناء تعليم يعرض تاريخ البلاد بتعدد روافده، ويفصل بين الدعاية والوقائع، ويعلم الطلاب مساءلة المعرفة بدلا من تلقيها كحقيقة مغلقة.
يتطلب ذلك نشر معايير تعديل المناهج، وإتاحة مراجعة الكتب للمعلمين والباحثين وممثلي المكونات الاجتماعية، وتفسير أسباب حذف كل درس أو صورة، خصوصا عندما تمس المواطنة والعلوم والتاريخ.
الهوية الثقافية المشتركة لا تنشأ حين تتشابه الكتب فقط، بل حين يجد الطلاب أنفسهم ومناطقهم ولغاتهم في قصة وطنية لا تطلب من فئة أن تختفي كي تشعر أخرى بالانتماء.
ما سيحدد اتجاه المناهج السورية هو الجواب العملي عن سؤال واحد: هل تستخدم المدرسة لتلقين هوية مقررة سلفا، أم لتكوين جيل يستطيع المشاركة في تعريفها؟
المدرسة والهوية الثقافية
كيف تتشكل ذاكرة الأجيال عبر المناهج؟
قراءة بصرية للتحولات التي طاولت النصوص والصور وموضوعات المواطنة، بالتوازي مع مسار توحيد التعليم في سوريا.
من المفردة إلى تصور الانتماء
تضمنت قوائم التعديلات الأولى تغييرات في عبارات دينية ووطنية، إلى جانب حذف أو تعديل موضوعات من مواد مختلفة. وأثارت هذه الخطوة نقاشاً حول حدود التصحيح التحريري ومعايير اختيار المصطلحات.
الدلالة: المصطلح المدرسي يوجّه فهم الطالب للمواطنة والتاريخ والعلاقة بين الانتماء الوطني والديني.
الصورة جزء من المنهج
وثقت مقارنة النسخ طمس صور لنساء وأطفال، وإضافة الحجاب إلى بعض الشخصيات المرسومة، وتغطية تماثيل أو حذف أعمال فنية. ورصدت أيضاً اختلافاً في تصوير الشخصية نفسها داخل الكتاب الواحد.
الدلالة: تكرار الصور أو غيابها يحدد من يظهر في المجال العام وأي تمثيل يبدو مألوفاً للطلاب.
مساحة أقل للتعلم المدني
شملت التعديلات الموثقة حذف دروس عن الإدارة المحلية والحياة السياسية والمواطنة والإعلام والمشاركة الديمقراطية من كتاب الدراسات الاجتماعية للصف السادس.
الدلالة: يؤثر حذف هذه الموضوعات في معرفة الطلاب بكيفية عمل المؤسسات وبأدوارهم في الشأن العام.
مرجعية موحدة وذاكرات محلية متعددة
أعلنت وزارة التربية اعتماد منهاج دمشق في المحافظات خلال 2026–2027، مع إعداد معايير وطنية لمناهج جديدة. وترافق المسار مع ترتيبات انتقالية لطلاب مناطق درست مناهج مختلفة، وإدخال اللغة الكردية إلى التعليم الرسمي وفق تعليمات الوزارة.
الدلالة: التوحيد يعالج الانقسام التعليمي، فيما يتطلب نجاحه تمثيل تنوع المناطق واللغات والخبرات داخل المنهاج المشترك.
مسار التحول: من التعديل إلى التوحيد
المسارات أدناه تلخص مراحل السياسة التعليمية، ولا تمثل قيماً رقمية أو نسباً.
المحتوى مستند إلى قرارات وتصريحات وزارة التربية، ومقارنات النسخ المدرسية التي تحققت منها منصة «تأكد». المخطط نوعي ولا يعرض أرقاماً إحصائية.

