في السياسة، كما في الاقتصاد، ليست أخطر الأفكار تلك التي تبدو صدامية أو فجة، بل تلك التي تصل إلى المجال العام متدثرةً بعباءة “المنطق”، والتصريح المتداول المنسوب إلى المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توماس باراك الذي يتحدث عن الحاجة إلى بدائل لمضيق هرمز والبحر الأحمر، وأن سوريا يمكن أن تؤدي دورا عبر خطوط الأنابيب، ينتمي إلى هذه الفئة؛ فكرة براقة في ظاهرها، لكنها تنتهي سريعا عند إخضاعها لاختبار الأرقام والبنية التحتية والاقتصاد السياسي.
المشكلة لا تبدأ من شخص باراك ولا تنتهي عند حدود العبارة المنسوبة إليه، فالأهم إعادة إنتاج وهم قديم في في اختزال البلدان إلى وظائف جيوسياسية، واختزال المجتمعات إلى ممرات، ثم تسويق ذلك كله بوصفه مشروعا للخلاص الاقتصادي.
بين الجغرافيا والخيال السياسي
تحتل سوريا موقعا جغرافيا بالغ الحساسية، فهي تقع في نقطة تماس بين العراق وتركيا وشرق المتوسط، وتبدو على الخريطة، للعين الاستراتيجية المجردة، مؤهلة للعب أدوار ربط ونقل وعبور، غير أن الجغرافيا وحدها لا تصنع وزنا اقتصاديا مستقرا، فالموقع لا يعوّض غياب الدولة القادرة.
إحدى أكثر المغالطات شيوعا في التفكير السياسي حول سوريا هي في التعامل مع الخريطة كما لو كانت بديلا عن المؤسسات، بينما أي حديث عن دور طاقي إقليمي لسوريا لا معنى له إن لم يسبقه سؤال أكثر جوهرية: هل توجد دولة متماسكة قادرة على حماية البنية التحتية، وإدارة الاستثمارات، وضمان التعاقدات، وتحييد المرافق الاستراتيجية عن الصراع الداخلي والإقليمي؟ من دون ذلك، تتحول الجغرافيا من نعمة محتملة إلى عبء مضاعف.
هرمز ليس تفصيلا يمكن الالتفاف عليه
حين يُطرح تعبير “بدائل لمضيق هرمز”، يبدو النقاش كما لو أنه يدور حول مشكلة لوجستية يمكن حلها بإيجاد مسار بديل، لكن هرمز ليس ممرا عاديا، فنحن نتحدث عن شريان رئيسي في بنية الطاقة العالمية، يمر عبره يوميا نحو 20 مليون برميل من النفط، أي ما يعادل نحو خمس الاستهلاك العالمي، إضافة إلى حصة كبرى من تجارة الغاز الطبيعي المسال.
هذه الأحجام لا تقارن بخطاب سياسي فضفاض عن أنبوب هنا أو ممر هناك؛ إنها تعكس بنية كاملة من مرافئ وناقلات عملاقة، وشركات تأمين وأسواق فورية، وعقود طويلة الأجل وقدرة بحرية ولوجستية لا توفرها مجرد الرغبة في إيجاد “بديل”، وأي كلام عن تعويض هرمز عبر سوريا ينبغي أن يبدأ من سؤال السعة والجدوى، لا من سحر العبارة.
ماذا تقول الأرقام فعلاً؟
حين نعود إلى المعطيات الأساسية، تتضح الفجوة الهائلة بين الصورة الخطابية والواقع المادي:
| البند | القيمة/الوصف | الدلالة |
| تدفق النفط عبر مضيق هرمز | 20 مليون برميل يوميا | حجم هائل يصعب تعويضه برياً |
| نسبة الاستهلاك العالمي التي يمثلها | 20% | ثقل استراتيجي عالمي |
| قدرة الأنابيب العملاقة | بين 1 و2 مليون برميل يومياً | سقف محدود مقارنة بهرمز |
| خط كركوك–بانياس | نحو 300 ألف برميل يومياً في أفضل حالاته | سعة متواضعة جداً |
| افتتاح خط كركوك–بانياس | 1952 | بنية قديمة ومستهلكة |
| خروجه من الخدمة | منذ 2003 | يحتاج فعلياً إلى إعادة بناء |
| خط كركوك–جيهان | حتى مليون برميل يوميا نظريا | يوضح حدود البدائل البرية |
| حمولة ناقلة بحرية عملاقة | نحو 2 مليون برميل | النقل البحري أكثر مرونة وكفاءة |
| سيناريو نقل 5 ملايين برميل يومياً برياً | يتطلب استثمارات هائلة ومرافئ ضخمة | جدواه الاقتصادية شديدة الضعف |
هذه الأرقام لا تحتمل كثيرا من التأويل، فالفارق بين ما ينقله هرمز وما يمكن أن تنقله الأنابيب عبر سوريا ليس فجوة تقنية صغيرة، بل هوة بنيوية كاملة، وحتى الخطوط الكبيرة في الإقليم لا تُطرح عادة بوصفها بديلا عن هرمز، بل كمسارات مساندة أو مكملة.
خط كركوك–بانياس: من الذاكرة السياسية إلى الواقع المتهالك
في كل مرة يثار فيها الحديث عن سوريا بوصفها ممرا للطاقة، يعود اسم خط كركوك–بانياس إلى التداول، كما لو أننا نستدعي من الأرشيف بنية جاهزة للعمل متى اتخذ القرار السياسي، لكن الخط، الذي افتتح عام 1952، خرج من الخدمة منذ عام 2003، وما تعرّض له من تقادم وإهمال وتدمير يجعل الحديث عنه أقرب إلى استحضار رمز تاريخي منه إلى توصيف أصل اقتصادي قابل للتشغيل الفوري.
إعادة تأهيل الخط لا تعني صيانة تقليدية أو إصلاحا موضعيا، فهناك حاجة إلى إعادة بناء واسعة، تشمل البنية المادية ومحطات الضخ والحماية الأمنية وشبكات الربط والتفاهمات السياسية العابرة للحدود، فالرهان على الخط بوصفه حلا جاهزا ليس قراءة فنية، بل رغبة سياسية متنكرة في هيئة تحليل اقتصادي.
الاقتصاد لا يرحم الأوهام الجيوسياسية
من السهل، في مناخ إقليمي مضطرب، أن تبدو فكرة “تحويل سوريا إلى ممر طاقة عالمي” اقتراحا جذابا، لكنها حين تدخل ميدان الحسابات تصبح أقل بريقا، فخطوط الأنابيب مشاريع رأسمالية كثيفة، تتطلب استثمارات ضخمة جدا، وأفقا طويلا من الاستقرار السياسي والأمني، وضمانات قانونية ومالية لا يمكن توفيرها في بيئة متقلبة.
ولو افترضنا، على سبيل المثال، أن هناك مشروعا لنقل خمسة ملايين برميل يوميا عبر مسارات برية بديلة، فإننا لا نتحدث فقط عن أنابيب، بل عن منظومة كاملة من الموانئ العملاقة والخزانات وشبكات التحميل والتأمين والحماية والتمويل، ما يعني مئات المليارات، وسنوات طويلة، وقبل ذلك وجود دولة مستقرة وقادرة، وهنا بالضبط ينهار الوعد أمام الواقع السوري الراهن.
سوريا في الخطاب الدولي: بلد أم وظيفة؟
الأخطر في هذا النوع من التصريحات ليس فقط ما يقوله عن الطاقة، بل ما يكشفه عن الذهنية التي يُنظر بها إلى سوريا، فعوض أن يكون البلد موضوعا لإعادة البناء السياسي والاقتصادي والاجتماعي، يعاد تقديمه بوصفه وظيفة: ساحة احتواء، وعقدة أمنية، وممر عبور، أو مشروع ربط إقليمي.
هذه ليست لغة تنمية، بل لغة استخدام، وفيها يختزل المجتمع إلى موقع، والدولة إلى أداة، والاقتصاد إلى مرفق خدمة لمصالح الآخرين، فالمشكلة ليست في أن تستفيد سوريا مستقبلا من موقعها، بل في أن يُطرح هذا الموقع بديلا من مشروعها الوطني.
ما الذي يمكن لسوريا أن تفعله؟
النقد الجاد لا يعني السخرية من أي دور إقليمي محتمل لسوريا، فبلد بهذا الموقع يمكن، في حال استعاد عافيته، أن يكون جزءا من شبكات ربط في الطاقة والكهرباء والنقل والخدمات اللوجستية، لكن هذا دور مختلف تماما عن الوعد الفضفاض بتحويله إلى بديل استراتيجي عن هرمز أو البحر الأحمر.
الطرح الواقعي يبدأ من وظائف محدودة وقابلة للنمو، لا من قفزات خطابية عملاقة، ومن إعادة بناء الداخل، لا من الوعد بإنقاذ الإقليم، ويبدأ من المؤسسات، لا من الخرائط.
حين تُباع الأوهام بوصفها رؤية
تصريح من هذا النوع، سواء ثبت حرفيا بهذا النص أو جاء بصيغة قريبة منه، يكشف أكثر مما يقترح، فهو يفضح استمرار النزعة إلى تخيل سوريا من الخارج، لا التفكير فيها من الداخل، ويكشف أيضا كيف يمكن للخطاب الجيوسياسي أن يخلط بين الإمكان النظري والجدوى الفعلية، ثم يقدم هذا الخلط على أنه رؤية استراتيجية.
سوريا لا تحتاج اليوم إلى أن تعاد تسميتها بوصفها “أنبوباً محتملا” تحتاج إلى دولة قابلة للحياة، واقتصاد يخلق قيمة حقيقية، وسلطة عامة قادرة على حماية الناس قبل حماية الممرات، وما لم تتغير هذه الشروط، فإن كل حديث عن دور سوري بديل لهرمز سيظل أقرب إلى المجاز السياسي منه إلى المشروع القابل للتنفيذ.
سوريا ليست أنبوبًا
ماذا يكشف تصريح توماس باراك عن بدائل مضيق هرمز؟
| البند | القيمة / الوصف | الدلالة الاقتصادية |
|---|---|---|
| تدفق النفط عبر مضيق هرمز | 20 مليون برميل يومياً | حجم هائل يصعب تعويضه برياً |
| نسبة الاستهلاك العالمي | 20% | ثقل استراتيجي عالمي |
| قدرة الأنابيب العملاقة (كحد أقصى) | بين 1 و 2 مليون برميل يومياً | سقف محدود مقارنة بهرمز |
| خط كركوك–بانياس | نحو 300 ألف برميل يومياً في أفضل حالاته | سعة متواضعة جداً |
| افتتاح خط كركوك–بانياس | 1952 | بنية قديمة ومستهلكة |
| خروجه من الخدمة | منذ 2003 | يحتاج فعلياً إلى إعادة بناء كاملة |
| خط كركوك–جيهان | حتى مليون برميل يومياً نظرياً | يوضح حدود البدائل البرية |
| حمولة ناقلة بحرية عملاقة | نحو 2 مليون برميل | النقل البحري أكثر مرونة وكفاءة |
| سيناريو نقل 5 ملايين برميل يومياً برياً | يتطلب استثمارات هائلة ومرافئ ضخمة | جدواه الاقتصادية شديدة الضعف |
الجغرافيا لا تعوض غياب الدولة
سوريا تملك موقعاً حساساً بين العراق وتركيا وشرق المتوسط، لكن الموقع وحده لا يصنع وزناً اقتصادياً مستقراً دون دولة متماسكة قادرة على حماية البنية التحتية وإدارة الاستثمارات. الحديث عن دور طاقي إقليمي دون مؤسسات هو انزلاق في وهم الخرائط.
هرمز ليس ممراً عادياً
20 مليون برميل يومياً، وخمس الاستهلاك العالمي، وشبكة كاملة من مرافئ وناقلات وعقود طويلة الأجل. لا يمكن اختزال هذا النظام في خط أنابيب واحد أو ممر بري. سعة البدائل البرية لا تتجاوز 1-2 مليون برميل يومياً في أفضل الظروف.
خط كركوك–بانياس: من الذاكرة إلى الواقع المتهالك
خرج من الخدمة منذ 2003، وتعرض لإهمال وتدمير واسع. إعادة تأهيله ليست صيانة بل إعادة بناء شاملة تشمل محطات الضخ والحماية والتفاهمات السياسية. ليس حلاً جاهزاً بل رمز سياسي أكثر منه أصلًا اقتصاديًا.
سوريا في الخطاب الدولي: بلد أم وظيفة؟
الذهنية التي تختزل سوريا إلى “ممر عبور” أو “بديل جيوسياسي” تهمش مشروعها الوطني. قبل أي دور إقليمي، تحتاج سوريا إلى دولة قابلة للحياة وإعادة بناء الداخل. ليست أنبوباً تابعاً لمصالح الآخرين.


مقال واقعي ومنطقي وأيضا بحاجة إلى قيادة تفهم بلد حضاري كسورية وتفكر لمصلحته أولا ومصلحة السوريين كلهم والاعتناء بكل مناطقهم وتطويرها وتقديم خدمات حقيقية لهم وكافية للكل كهرباء وطرقات ومشافي وجامعات ونظافة وحماية بيئة من الحرائق والطوفانات وبنية تحتية حديثة ومتطورة والحفاظ على منابع المياه والأنهار النظيفة والعناية بالسياحة والآثار كلها والمناطق النائية وتخديمها وتحسين بنيتها كلها والحفاظ على الخضار والزراعة والبساتين ومنع اقتلاعها وبناء أبنية عالية لا يسكنها الا الأغنياء من غلاها و بشاعتها عليهم منع ذلك بالقانون وتجميل كل القرى والمدن لانها كلها صالحة للسياحة بسبب مناخ سورية الخصب والمعتدل والجبال الممتدة بكل مكان الخضراء وغير الخضراء ومن ثم يفكرون بسياسة اقتصادية واسعة وعالمية بعد تجهيز الطرقات وتلموانىء وبناء مطارات حديثة ونظيفة سورية من اجمل دول العالم لولا القضاء على غطاءها الاخضر بسبب الطمع والجشع من محافظة دمشق والحكومة بتحويل كل الخضار والبساتين المحبطة بها إلى بناء شاهق قبيح عليهم إعادة طقسها المعتدل المنعش بنظافة المياه ومجاريها وتطبيق قانون النظافة وعدم رمي الأوساخ بالنهر والشارع وكل مكان اعداد تربوي وفانوني وأخلاقي للشعب من جديد بعد حروب طويلة وزرع حب الوطن ومصلحته فوق كل مصلحة ومحاربة الفساد والغلاء وكله بتطبيق القانون على الجميع ممكن أن تعود سورية لمكانتها القديمة الحضارية عبر التاريخ الذي انسانها القديم بالتاريخ سبق حضارة اليوم بالمعرفة والعمل والزراعة والفكر والتعليم بحبه لأرض سورية وحبه لسورية رسم ونحت وبنى وخاض البحار وصنع السفن والقماش و كل انواع الفنون لا زال أثره بالتراث السوري لكن علينا حمايته وتشجيع عودته بقوة وإصرار ومساعدة من الدولة وتشجيع ليس بطمسها والقضاء عليها لأنها هوية سورية ووجودها