إعلام “إسرائيل” وحرب إيران: ماذا يكشف تقرير يديعوت أحرونوت عن التحول الاستراتيجي؟

تكشف المكالمة الهاتفية التي أوردها تقرير الصحفي رونين بيرغمان في صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية عن أكثر من مجرد تواصل دبلوماسي؛ حيث تمثل لحظة كاشفة لطبيعة التفكير الإعلامي “الإسرائيلي” في حرب لم تسر وفق الحسابات الأصلية.

كانت “إسرائيل” تراهن على أن الضغط العسكري سيقود إلى انهيار سريع في طهران، ويكشف المقال، بوصفه نموذجا على المزاج الإعلامي السائد،عن واقع مغاير، فواشنطن نفسها فتحت قناة تفاوض سرية مع النظام الذي كان يُفترض أنه يترنح، والمفارقة هنا تتجاوز الحدث في الطريقة التي يحاول بها الإعلام “الإسرائيلي” استيعاب هذا التناقض.

فالمقال ينتقل من كونه مادة خبرية إلى كونه وثيقة ذهنية، تعكس انتقالا غير مكتمل من يقين الحسم إلى قلق التوازن.

من سرد الحدث إلى إدارة الصدمة

يُكتب التقرير بلغة توحي بالثقة، لكنه مشبع بإشارات قلق خفي، فالإعلام “الإسرائيلي” الذي اعتاد تقديم نفسه كمرآة لقدرة الدولة على السيطرة، يجد نفسه هنا أمام واقع يصعب إخضاعه للسرد التقليدي، فالمكالمة السرية لا تُعرض فقط كاختراق دبلوماسي، بل كحدث أربك التوقعات.

إسرائيل حسب المقال لم تكن شريكة في هذه القناة، بل علمت بها لاحقا، ما يحمل دلالة على تآكل القدرة على التحكم في مسار الأحداث، حتى بالنسبة لدولة اعتادت أن تكون في قلب كل معادلة إقليمية.

الإعلام، في مثل هذه اللحظات، لا يكتفي بنقل الوقائع، بل يحاول إعادة ترتيبها ضمن إطار يحافظ على تماسك الرواية، وهذا الإطار يبدو هشا، ويتعرض للاهتزاز مع كل معلومة جديدة.

إيران: من هدف إلى معطى ثابت

في قلب هذا الارتباك، تبرز إيران لا كخصم يتراجع، بل ككيان يعيد تثبيت نفسه، والإشارة إلى دور مجتبى خامنئي ليست مجرد تفصيل، بل رسالة ضمنية، والنظام لم يتفكك، بل أعاد إنتاج مركز قراره بسرعة.

الإعلام “الإسرائيلي” يحاول احتواء هذه الحقيقة عبر تقديمها كجزء من “تكتيك تفاوضي”، لكن السرد يكشف ما هو أبعد من ذلك، فمجرد قبول واشنطن التفاوض مع ممثلين للنظام، وفي ظل هذه الظروف، يعني اعترافا ضمنيا باستمراريته.

في منطق الجغرافيا السياسية، هذا ليس مفاجئا، فالدول ذات العمق الحضاري، مثل إيران،لا تنهار بسهولة تحت الضغط الخارجي، بل تميل إلى امتصاص الصدمات وإعادة تنظيم نفسها، غير أن هذا الإدراك، رغم حضوره في النص، لا يُترجم إلى مراجعة صريحة في الخطاب.

الولايات المتحدة: الحليف الذي يتصرف منفردا

أحد أكثر جوانب المقال حساسية الطريقة التي تم بها عرض العلاقة مع الولايات المتحدة، فلا يوجد هجوم مباشر، لكن هناك شعور واضح بالاستبعاد.

فواشنطن التي كانت شريكا كامل تتحرك هنا وفق حساباتها الخاصة، وتفتح قناة تفاوض دون إشراك “إسرائيل”، والإعلام “الإسرائيلي” يفسر ذلك عبر سوابق تسريب أو خلافات داخلية، لكنه يتجنب مواجهة الدلالة الأعمق أن المصالح لم تعد متطابقة.

تظهر الولايات المتحدة في هذا التصور كقوة تعيد تموضعها، مدفوعة باعتبارات تتجاوز الحسابات “الإسرائيلية”، أما “تل أبيب”  فتجد نفسها في موقع المتلقي لا الفاعل.

الحرب كعملية بلا نهاية واضحة

يعكس المقال تحولا في فهم الحرب نفسها، فلم تعد معركة ذات أهداف محددة يمكن تحقيقها ضمن جدول زمني واضح، بل عملية ممتدة تتداخل فيها الضربات العسكرية مع القنوات الدبلوماسية.

الإشارة إلى أن الاتصال بين واشنطن وطهران بدأ منذ الأيام الأولى للحرب تعني أن المسارين، العسكري والتفاوضي، كانا يسيران بالتوازي، وهذا ينسف الفكرة التقليدية للحرب كمرحلة تسبق التفاوض، ويستبدلها بنموذج أكثر تعقيدا، حيث يتداخل الاثنان بشكل دائم.

لكن هذا النموذج يطرح سؤالا صعبا، فإذا كانت الحرب لا تُحسم، فكيف يمكن تعريف نهايتها؟

انهيار وهم “الضربة الحاسمة”

يُظهر النص بوضوح أن أحد الرهانات المركزية، إمكانية إسقاط النظام الإيراني عبر ضربة مركزة، لم يتحقق، والإشارة إلى خطط الموساد، والدراسات المتعلقة بإثارة احتجاجات داخلية، تكشف أن هذا السيناريو لم يكن مجرد احتمال، بل جزء من التفكير الاستراتيجي.

غير أن الواقع جاء مختلفا، فالنظام لم يسقط، ولم تتوسع الاحتجاجات إلى مستوى يهدد وجوده، والإعلام الإسرائيلي يحاول تفسير ذلك عبر تفاصيل تقنية، لكن الصورة العامة واضحة بأن التقدير كان مبالغا فيه.

هذا الفشل لا يقدم كخطأ جذري، بل كتعقيد غير متوقع، وهو ما يعكس ميلا إلى الحفاظ على الثقة بالمنظومة، حتى في مواجهة إخفاقاتها.

القلق من التسوية: حين لا يشبه السلام النصر

مع انتقال التركيز إلى المفاوضات، يظهر قلق متزايد من مآلاتها، فالاتفاق المحتمل، إذا تحقق، فمن الممكن أن لا يلبي الشروط التي وضعتها “إسرائيل” في بداية الحرب.

الإعلام يعكس هذا القلق عبر التشديد على “الفجوات الكبيرة”، وعلى صعوبة التوصل إلى صفقة ترضي جميع الأطراف، لكنه في الوقت ذاته يهيئ القارئ لفكرة أن النتيجة قد تكون أقل من الطموح.

ضمن هذه البيئة يتحول الخطاب من لغة الحسم إلى لغة التكيف، فلم يعد الهدف تحقيق انتصار كامل، بل تجنب خسارة واضحة.

شخصية ترامب: السياسة كعامل نفسي

يمنح المقال مساحة ملحوظة لشخصية ترامب، ليس فقط كصانع قرار، بل كعنصر غير قابل للتنبؤ، والإشارة إلى حساسيته تجاه الإهانة، وإلى احتمال رد فعله، تعكس إدراكا لدور العامل الشخصي في تحديد مسار الأحداث.

لكن الأهم هو ما لم يحدث، فرغم الاستفزاز الإيراني، لم يتجه ترامب إلى التصعيد، وهذا الامتناع يقرأ في النص كدليل على أهمية القناة التفاوضية، لكنه يكشف أيضا عن حدود الخطاب المتشدد، وفي عالم يتسم بالتعقيد، حتى القادة الأكثر اندفاعا يجدون أنفسهم مضطرين إلى التراجع أمام الوقائع.

إعادة صياغة الرواية: من الانتصار إلى التبرير

يبرز تحول دقيق في الخطاب نهاية التقرير، فبدل الحديث عن تحقيق الأهداف، يظهر استعداد لإعادة تعريفها، والإشارة إلى أن نتنياهو ربما يغير رواية الحرب، أو يعيد توزيع المسؤولية، تعكس محاولة استباقية لإدارة ما بعد النتيجة.

هذا التحول ليس جديدا، لكنه يحمل دلالة خاصة في هذه الحالة، فهو يشير إلى أن الفجوة بين التوقع والواقع أصبحت كبيرة بما يكفي لتتطلب إعادة صياغة كاملة للرواية.

ما يقدمه تقرير “يديعوت أحرونوت” يتجاوز كونه مادة إخبارية إلى كونه مرآة لمرحلة انتقالية في التفكير “الإسرائيلي”؛ إنها لحظة يدرك فيها النظام الإعلامي، ولو بشكل غير مكتمل، أن البيئة الاستراتيجية تغيرت، وأن الأدوات القديمة لم تعد كافية.

لكن هذا الإدراك لا يأتي في شكل قطيعة واضحة، بل في هيئة تردد، وتفسيرات جزئية، ومحاولات مستمرة للحفاظ على تماسك السرد.

في الشرق الأوسط، لا تحدث التحولات الكبرى دفعة واحدة، بل إنها تتسلل ببطء عبر تفاصيل تبدو صغيرة في حينها، من مكالمة هاتفية وقناة سرية وتصريح عابر، لكنها، مع الوقت، تعيد تشكيل الصورة بالكامل، والمقال، في جوهره، واحد من تلك التفاصيل التي تكشف أكثر مما تقول.

التحول في الخطاب الإسرائيلي: من الحسم إلى التكيف

التحول في الخطاب الإسرائيلي

من يقين الحسم إلى قلق التوازن.. قراءة في تقرير يديعوت أحرونوت عن الحرب على إيران
استناداً إلى تحليل مقال رونين بيرغمان – الظل بين الإمبراطوريات

مراكز الثقل في السرد الإعلامي

قراءة نوعية للمفاهيم السائدة قبل الحرب وخلالها (حسب المقال)

تحول لغة الخطاب

من منطق الحسم إلى منطق التكيف وإدارة الصدمة

إعادة positioning الفاعلين

كيف يعيد الإعلام الإسرائيلي تمثيل دور إيران والولايات المتحدة

خلاصات جوهرية من التحليل

انهيار وهم الضربة الحاسمة
لم يتحقق سيناريو إسقاط النظام عبر ضغط عسكري مركز؛ إيران أعادت تثبيت نفسها.
الولايات المتحدة: حليف منفرد
واشنطن تتحرك وفق حساباتها الخاصة (قناة تفاوض سرية) دون إشراك تل أبيب.
الحرب بلا نهاية واضحة
تداخل المسار العسكري والدبلوماسي منذ الأيام الأولى، ما ينسخ نموذج “حرب ثم اتفاق”.
من النصر إلى التبرير
استعداد لإعادة تعريف الأهداف وإدارة رواية ما بعد النتيجة بدلاً من الاحتفاء بالحسم.

1 فكرة عن “إعلام “إسرائيل” وحرب إيران: ماذا يكشف تقرير يديعوت أحرونوت عن التحول الاستراتيجي؟”

  1. كان يجب الإشارة الا ان كيان العدو يخوض حرب وجود وهو لا يتحمل الهزيمة بعد معركة بدأت منذ أكثر من ثلاث سنوات لذلك هو مازوم عاجز عن تحقيق النصر ويتكبد خسائر كبيرة ومن الصعب عليه الموافقة على وقف إطلاق النار والدخول في مفاوضات بينما يسعى ترامب الى رسم انتصار ولو على ورق ابيض كي يبرر موافقته على المفاوضات . أمريكا لا تتعرض الى حرب وجود واستمرار المعركة تهدد بازمة اقتصادية لذلك من الطبيعي ان تتضارب مصالح الولايات المتحدة مع مصالح الكيان الذي لم يعد بحاجة إليها بعد ان تحول من داعم الى شريك بالمعرفة والان الى قيادة المعركة بكل وجوهها .تحليل منطقي ويستن الى وقائع حقيقة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *