الشائعات في سوريا: كيف أعادت وسائل التواصل تشكيل قصة أراضي الساحل؟

لا تتحرك الشائعة في الحالة السورية بوصفها “خبر كاذب” يمر على هامش المجال العام، بل حدثا اجتماعيا كاملا؛ يعيد ترتيب الانفعالات، ويستحضر التوترات الطائفية والمناطقية، ويستثمر في الذاكرة الجريحة، فتتحول أي واقعة جزئية إلى دليل شامل على سردية كبرى.

من هذه الزاوية، فإن التداول الواسع للخبر القائل إن “وزارة الأوقاف وضعت يدها على 256 دونما على البحر في اللاذقية لأجل مشاريع السياحة الإسلامية” لا يكشف فقط عن خلل في التحقق، بل عن طبيعة المجتمع الشبكي السوري كما يتشكل تحت ضغط الانقسام، وانهيار الثقة، وهي البيئة التي تجعل الشبكات فضاء لإنتاج المعنى والسلطة معا.

من واقعة إدارية إلى سردية مشحونة

المسألة هنا ليست أن الخبر “صحيح” أو “خاطئ”، فالمعطيات تشير إلى وجود أصل واقعي للقصة، فهناك تحرك من وزارة الأوقاف في أيلول 2025 يتعلق باسترداد شريط ساحلي وقفي في جبلة، عبر فسخ عقود إيجار، مع تداول أرقام أقرب إلى 206 أو 207 دونمات، ومن دون دليل موثوق على أن الغاية المعلنة هي إنشاء مشروع تحت عنوان “السياحة الإسلامية”.

لكن ما حدث على وسائل التواصل لم يكن مجرد نقل مشوش لهذه الوقائع؛ فجرت إعادة هندستها رمزيا، وتم تغيير الرقم، وتغيير اللغة، وتغيير الفاعل، وتغيير الدافع، وتحولت واقعة إدارية – قانونية، مهما كانت حساسيتها، إلى مادة تعبئة اجتماعية مشحونة بالدلالات الطائفية.

اللغة كأداة تعبئة لا كوسيلة نقل

اللافت في الخبر المتداول ليس فقط مضمونه، بل طريقة صياغته، فعبارة مثل “وضعت يدها” ليست تقنية ولا قانونية، بل تعبير تعبوي يحمل إيحاء بالاستيلاء القسري والتمدد العدائي، وإدخال مصطلح “السياحة الإسلامية” في قضية ساحلية حساسة في اللاذقية لم يكن بريئا على مستوى التأثير.

هذا التركيب اللغوي صمم كأداة تفجير رمزي، فهو يربط بين مؤسسة دينية رسمية، ومجال عقاري ساحلي شديد الحساسية، وإشارة ثقافية – دينية قادرة على استدعاء المخاوف المتراكمة لدى شرائح مختلفة من السوريين، فيصبح الخبر أكثر من معلومة؛ ويغدو “إطارا تفسيريا” يعيد تنظيم الواقع وفق منطق الاستقطاب.

معركة المعنى في الفضاء الرقمي

المعركة الأساسية في المجتمع الشبكي هي معركة “بناء المعنى”، فالناس لا يتصرفون بناء على الوقائع الخام، بل وفق المعاني التي تعطى لهذه الوقائع، وفي سوريا، حيث تمزقت الثقة بين المجتمع والدولة، وبين الجماعات بعضها ببعض تصبح وسائل التواصل الاجتماعي معامل ضخمة لإنتاج هذا المعنى المشحون.

المستخدم لا يقرأ الخبر فقط؛ بل يدمجه فورا في أرشيفه النفسي والسياسي، الساحل ليس مجرد جغرافيا، والأوقاف ليست مجرد مؤسسة، والأرض ليست مجرد ملكية، والسياحة ليست مجرد استثمار، كل كلمة هنا تستدعي طبقات من التاريخ والشك والاتهام والرموز.

اقتصاد الانفعال بدلا من اقتصاد الحقيقة

تنتشر الأخبار المضللة في سوريا بسرعة تفوق سرعة الأخبار الدقيقة، ليس لأن السوريين أقل وعيا، بل لأن البيئة الاتصالية نفسها صارت قائمة على اقتصاد الانفعال لا اقتصاد التحقق.

المنصات تكافئ ما يثير الغضب والخوف والصدمة، والخبر الذي يقول إن هناك “فسخ عقود إيجار لعقارات وقفية في جبلة” لا يملك الجاذبية نفسها التي يملكها خبر يقول إن “الأوقاف تسيطر على 256 دونما من البحر لمشاريع السياحة الإسلامية”، فالأول يحتاج شرحا وسياقا وتفاصيل قانونية، والثاني يقدم للمتلقي قصة جاهزة، واضحة الأدوار، عالية الشحنة، قابلة للمشاركة الفورية.

الأثر الاجتماعي للشائعة

لكن الخطورة الحقيقية لا تكمن في التضليل المعلوماتي وحده، بل في الأثر الاجتماعي التراكمي لهذا النمط من التداول.

عندما تتكرر مثل هذه الأخبار، يصبح المجتمع نفسه أكثر قابلية لإعادة إنتاج الشكوك والهواجس، فأي قرار إداري لاحق سيقرأ من خلال القالب نفسه، وأي مؤسسة رسمية ستفهم بوصفها أداة لمشروع خفي، وأي قضية عقارية ستتحول بسرعة إلى مادة نزاع هوياتي.

لا تؤدي وسائل التواصل إلى نقل الانقسام فقط، بل إلى تعميقه وبنائه يوميا عبر آلاف التفاعلات الصغيرة التي تمنح الشرعية للسرديات الأكثر استقطابا.

تعدد مراكز إنتاج الحقيقة

ما يتيحه هذا التحليل في هذا السياق هو فهم كيف تنتقل السلطة من المجال المؤسسي إلى المجال الشبكي، فحتى عندما تكون الدولة حاضرة، فإنها لا تعود قادرة على احتكار التفسير.

النتيجة أن المجتمع السوري يعيش في تعدد سلطات سردية متنافسة: صفحات محلية، ومنصات حزبية، وإعلام تائه، وناشطون مستقلون، وقنوات تلغرام، ومجتمعات رقمية مغلقة تتبادل التأويلات والاتهامات وتعيد إنتاجها.

في مثل هذا المشهد، لا يعود السؤال: من يملك المعلومة؟ بل من يملك القدرة على جعل روايته هي الأكثر قابلية للتصديق والمشاركة؟

قوة الغموض في تغذية الشائعات

المفارقة أن هشاشة الخبر لا تمنع فعاليته الاجتماعية، بل أحيانا يكون الغموض ذاته جزءا من قوته، لأن الخبر غير المحسوم يتيح لكل جماعة أن تسقط عليه مخاوفها الخاصة.

البعض يراه دليلا على تغول المؤسسة الدينية، وآخرون يقرأونه بوصفه حلقة في إعادة توزيع النفوذ على الساحل، وغيرهم ينظرون إليه كبرهان على وجود تغيير ثقافي قسري.

تتحول المعلومة الناقصة إلى وعاء مفتوح للقلق الجمعي، ومن هنا تأتي فاعلية التضليل في المجتمع الشبكي، فليس مطلوبا أن يكون الخبر دقيقا بالكامل، بل يكفي أن يكون منسجما مع المزاج العام والصدوع الاجتماعية القائمة.

مجتمع ما بعد الثقة

في السياق السوري، هذا أخطر من مجرد “سوء فهم”، لأن البلاد خرجت من سنوات طويلة من الحرب وأصيبت بنيتها الأخلاقية والإعلامية بضرر عميق.

الثقة بالمؤسسات منخفضة، والثقة بالإعلام متدنية، وحتى الثقة بين الأفراد أنفسهم تآكلت، وفي مثل هذا المناخ، تصبح وسائل التواصل الاجتماعي مجالا لإدارة الخوف الجماعي ومجال لتداول المعلومات.

الشبكات لم تعد مجرد فضاء عام بديل، بل غدت بنية موازية لإنتاج الواقع السياسي والاجتماعي، وما يتداول فيها لا يبقى محصورا؛ بل ينزل إلى الشارع والعلاقات اليومية، وإلى تصور الناس لبعضهم البعض، وطريقة فهمهم للدولة والسلطة والدين والملكية والعدالة.

ما وراء التحقق: فهم قابلية التصديق

التعامل المهني مع مثل هذا الخبر لا يقتصر على تصحيحه تقنيا، فمن الضروري القول إن الرقم المتداول مضخم، وإن توصيف “وضع اليد” مضلل، وإن “السياحة الإسلامية” لم يثبت أنها هدف رسمي معلن.

الأهم هو فهم لماذا كان هذا الخبر قابلا للحياة أصلا، ولماذا بدا معقولا لهذه الدرجة؟ وكيف وجد جمهورا مستعدا لتصديقه وتوسيعه والدفاع عنه؟

الجواب، في ضوء هذا الإطار، هو أن المجتمع السوري يعيش داخل شبكة من المعاني المتصارعة، حيث تنتصر السردية التي تمسك بالعاطفة، لا السردية التي تمسك بالوثيقة فقط.

أزمة معنى في زمن الشبكات

يكشف هذا الخبر المتداول أن سوريا تعيش أزمة معنى، وفي مجتمع شبكي ممزق، تصبح السيطرة على المعنى شكلا من أشكال السيطرة على المجتمع نفسه.

عندما تعجز المؤسسات والإعلام التقليدي عن إنتاج سردية موثوقة ومقنعة، تملأ المنصات هذا الفراغ بسرديات سريعة الاشتعال، وعالية الانفعال، ومنخفضة التحقق.

الخطر هنا ليس فقط أن يتم تضليل الناس في خبر، بل أن يعاد تشكيل وعيهم الجماعي على قاعدة خبر ناقص ومشحون ومنسجم تماما مع زمن الانقسام.

سوريا بين الحقيقة والشبكة | الرسم البياني التفاعلي

سوريا بين الحقيقة والشبكة
كيف تُنتج وسائل التواصل الروايات؟

من واقعة إدارية إلى سردية مشحونة — تفاعل البيانات والإطار التفسيري

آلية تحويل الخبر إلى رواية استقطابية
محفز / واقعة
آلية تحويل
نتيجة / أثر اجتماعي
كل عقدة تمثل مفهوماً من المقال — حرك الماوس أو المس لتكبير التفاصيل.
اقتصاد الانفعال: سرعة الانتشار
مقارنة: الخبر المضخّم (“وضع اليد على 256 دونماً”) مقابل الخبر القانوني الجاف.
المنصات تكافئ الغضب والخوف — وفقاً لتحليل المقال.
رواية مشحونة (فيروسية)
خبر دقيق / مؤسسي
تعدد مراكز إنتاج الحقيقة في المجتمع الشبكي السوري
صفحات محلية
منصات حزبية
إعلام تائه
قنوات تلغرام / مجتمعات مغلقة
* السؤال الحاسم ليس “من يملك المعلومة؟” بل “من يملك القدرة على جعل روايته الأكثر تصديقاً ومشاركة؟”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *