لا تكمن أهمية الجدل الدائر حول تغييب ذكرى جول جمال في كونه مرتبطا بشخصية تاريخية، بل أنه يفتح نافذة أوسع على التحولات التي أصابت السياسات العامة السورية خلال عامين فقط، وخصوصا في علاقتها بالذاكرة الوطنية، وبالرموز التي جرى اعتمادها سابقا لتثبيت معنى الدولة والمجتمع والانتماء.
حين يتراجع حضور اسم كهذا في الفضاء العام، أو يدفع إلى الهامش بعد أن كان جزءا من السردية الوطنية، فإن المسألة تشير إلى تحول أعمق في طريقة إدارة التاريخ القريب، وفي الكيفية التي تعيد بها السلطة ترتيب سلم الرموز المقبولة والمرئية والمشروعة.
جول جمال لم يكن في المخيال السوري الرسمي مجرد ضابط استشهد في لحظة حرب، بل جرى تقديمه طويلا بوصفه تجسيدا مكثفا لفكرة تتجاوز شخصه؛ بطولة سورية تنخرط في معركة عربية أوسع، وشهادة مسيحية أرثوذكسية تتوحد مع خطاب قومي جامع، وتضحية فردية ترفع إلى مستوى المثال الوطني.
أي تراجع في حضوره لا يمكن فصله عن تبدل أوسع في بنية المعنى التي تنتجها الدولة عن نفسها، وعن المجتمع الذي تريد بناءه.
الذاكرة ليست حيادا إداريا
من الأخطاء الشائعة النظر إلى الذاكرة العامة بوصفها مسألة رمزية ثانوية، أو اعتبار الأسماء والاحتفالات والمناسبات مجرد زوائد شكلية على عمل الدولة الحقيقي، فالدولة لا تحكم بالقوانين والموازنات وحدها، بل أيضا بما تمنحه من شرعية للأسماء، وما ترفعه من رموز، وما تختار تثبيته في المدارس والساحات والكتب والمراسم العامة، وفي هذا المستوى تحديدا، تصبح الذاكرة جزءا من السياسة العامة، لا ملحقا ثقافيا بها.
حين كانت الدولة السورية تعلي من شأن أسماء مثل جول جمال، كانت تفعل ذلك ضمن منظومة متكاملة من المعاني؛ العروبة والتضحية ووحدة المصير والبطولة العابرة للطوائف، والتماهي بين الوطني والقومي.
لم يكن ذلك مجرد احتفاء بشخص، بل بناء مقصودا لمخيال عام ليتجسد في أذهان الأجيال وفي مؤسسات التعليم وفي لغة الإعلام وفي الشعائر المدنية.
عندما يتراجع هذا الاسم، أو ينتزع من موضعه السابق، فإننا نكون أمام فعل معاكس؛ إعادة تنظيم للمجال الرمزي، وتعديل للمفردات التي يطلب من المجتمع أن يتعرف بها إلى نفسه.
كلمة القوتلي وصناعة المعنى الوطني
تكتسب كلمة الرئيس شكري القوتلي في تأبين جول جمال أهميتها من أنها لا تقرأ اليوم كخطاب رثاء فقط، بل كنص سياسي يؤسس لمعنى الشهادة في مرحلة معينة من تاريخ سوريا.
حين قال القوتلي إن ما بين شاطئ اللاذقية وشاطئ بورسعيد وحدة مصير، وإن العدو واحد والوطن العربي واحد أيضا، كان يضع الفعل الفردي داخل سردية كبرى، ويحول حادثة استشهاد ضابط سوري إلى لحظة تأسيس في الوجدان القومي.
هذه اللغة لم تكن وصفا باردا لحدث عسكري، بل عملية إنتاج للمعنى العام، وجرى عبرها نقل جول جمال من مستوى الاسم الشخصي إلى مستوى الرمز الجامع، ومن واقعة الحرب إلى عقيدة الذاكرة.
تغييب هذا الرمز لا يعني حذف تفصيل تاريخي، بل المساس ببنية كاملة من التصورات التي صاغت، في زمن ما، فهم السوريين لأنفسهم، ولموقع بلدهم في المجال العربي.
من تمجيد الرموز الجامعة إلى إعادة ترتيب الحقل الرمزي
التحول هنا لا يفهم إلا إذا نظرنا إلى المجال العام بوصفه ساحة تنازع على الشرعية الرمزية، فالدولة، وأجهزتها المحلية، ومؤسساتها التربوية والإعلامية، لا تعمل فقط على إدارة الحاضر، بل على توزيع المكانة بين الماضيين: ماض يجب أن يبقى حيا، وماض يمكن إزاحته بهدوء.
في هذه العملية، لا يختفي الرمز عادة بقرار صاخب؛ يكفي أحيانا أن يتراجع الاحتفاء به، وأن يسحب من التداول المدرسي والاحتفالي، وأن يقل ظهوره في السردية الرسمية، حتى يبدأ خفوته التدريجي داخل الوعي العام.
إن تغييب جول جمال يصلح مثالا واضحا على انتقال السياسات العامة السورية من استخدام الذاكرة القومية الجامعة بوصفها أداة تعبئة وتوحيد، إلى أنماط أخرى من إدارة الشرعية تقوم على إعادة انتقاء الرموز بما ينسجم مع أولويات السلطة في كل مرحلة، فالدولة التي كانت تحتاج في الخمسينيات والستينيات إلى خطاب عروبي تعبوي، يربط بين اللاذقية وبورسعيد، ليست هي نفسها الدولة اليوم التي أعادت ترتيب فضاءها الرمزي تغير طبيعة العلاقة بين المجتمع والسلطة.
تغييب التاريخ القريب بوصفه سياسة
المشكلة لا تكمن فقط في تغييب اسم بعينه، حيث تم تغيير أسماء المدارس والشوارع وإسقاط مناسبات قديمة مثل عيد الشهداء، بل في ما يكشفه ذلك من ميل أوسع إلى التعامل مع التاريخ القريب بوصفه مادة قابلة للتعديل وفق الحاجة السياسية.
عندما تفقد شخصيات من هذا النوع مركزيتها، لا يكون السبب دائما ضعف قيمتها التاريخية، بل ربما لأن حضورها لم يعد يخدم البنية الجديدة للخطاب العام، هكذا تتحول الذاكرة من سجل مشترك إلى مورد سياسي، ومن مساحة اعتراف إلى أداة فرز وانتقاء.
أخطر ما في هذا المسار أنه لا يكتفي بتبديل ترتيب الأسماء، بل يعيد صياغة الحس الجمعي نفسه، فالأجيال لا تتعرف إلى تاريخها من الأرشيف وحده، بل من المدرسة والشارع والاحتفال والصورة والخطاب العام.
إذا جرى سحب رمز من هذه الدوائر، فإن النتيجة لا تكون فقط نسيانه، بل تآكل المعنى الذي كان يمثله، فلا يختفي الاسم وحده، بل تتراجع معه الفكرة التي حملها؛ فكرة التضامن العربي، أو الوطنية العابرة للانقسام الأهلي، أو البطولة التي لا تقاس بالانتماء الضيق.
ما الذي يتغير في الثقافة الاجتماعية؟
الثقافة الاجتماعية لا تتغير بالمحاضرات الأخلاقية، بل عبر إعادة تشكيل ما يراه الناس طبيعيا وجديرا بالاحترام والاستذكار.
حين تكف الدولة عن تكريم نموذج معين، وتقدم نماذج أخرى، فهي لا تصنع تحولا فوقيا فقط، بل تؤثر في العادات الذهنية، وفي معايير التقدير، وفي نوع البطولة الذي يجري تعميمه، فالسياسة العامة، حين تتدخل في الرموز، تصبح أداة بعيدة المدى لإعادة تشكيل الحس الاجتماعي.
في حالة جول جمال، لا يقتصر الأمر على تغييب شخص من التاريخ المدرسي أو المحلي، بل على تراجع نموذج كامل كان يقول إن سوريا تستطيع أن ترى نفسها من خلال بطل مسيحي قاتل من أجل قضية عربية، وإن الوطنية السورية لا تتناقض مع الأفق القومي، بل تتكامل معه.
هذا النموذج، بكل ما فيه من شحنة رمزية، كان يؤدي وظيفة ثقافية واجتماعية واضحة في توسيع معنى الجماعة الوطنية، وإذا جرى إضعافه، فإن البديل لا يكون فراغا، بل نماذج أخرى، أكثر التصاقا بلحظة السلطة الراهنة وأولوياتها وتصوراتها عن المجتمع.
الذاكرة بوصفها مرآة لتحول الدولة
إن طريقة التعامل مع ذكرى جول جمال تكشف، في جانب منها، تحولا في صورة الدولة السورية نفسها.
الدولة التي كانت تعرف نفسها، في مرحلة معينة، من خلال الخطاب القومي والتحرري، ومن خلال الاستثمار المكثف في الرموز الجامعة، تبدو اليوم أكثر ميلا إلى إدارة الذاكرة بمنطق النفوذ والسيطرة وإعادة الانتقاء، وهذا التحول لا يعني فقط تبدل الشعارات، بل تبدل وظيفة التاريخ في العمل العام، من مصدر علاقة جماعية إلى مادة يعاد تنظيمها لتناسب هندسة الشرعية الجديدة.
الجدل حول جول جمال لا ينبغي اختزاله في الحنين أو الرثاء أو الدفاع العاطفي عن اسم عزيز، لأنه يقرأ بوصفه مؤشرا على ما تفعله السياسات العامة حين تدخل حقل الذاكرة، فهي لا تحذف الماضي ببساطة، بل تعيد توزيعه، وتغير درجات ظهوره، وتحدد أي تاريخ قريب يسمح له بالبقاء حيا في الوجدان، وأي تاريخ يدفع إلى العتمة.
ما بين اللاذقية وبورسعيد… وما بين الأمس واليوم
في العبارة التي قالها القوتلي قبل سبعة عقود تقريبا، كان هناك تصور واضح لسوريا، بلد يرى نفسه جزءا من مصير عربي مشترك، ويستطيع أن يحول استشهاد فرد إلى سردية وطنية جامعة.
اليوم، فإن التراجع المحتمل لرمز كهذا يكشف أن المسافة لم تعد فقط بين شاطئ اللاذقية وشاطئ بورسعيد، بل بين زمنين سياسيين مختلفين في تعريفهما للهوية والذاكرة ووظيفة الرمز.
تغييب جول جمال لا يقرأ باعتباره تفصيلا في إدارة محلية، بل علامة على تحول أوسع في السياسات العامة السورية؛ من إنتاج ذاكرة جامعة عن التاريخ القريب، إلى إعادة ترتيب هذا التاريخ بما يخدم تصور مختلف لسوريا، وهذه ليست مسألة رمزية هامشية، بل واحدة من أكثر صور السياسة عمقا وتأثيرا؛ لأن المجتمع لا يعيش فقط بما يملكه من موارد، بل أيضا بما يتذكره، وبما يسمح له أن يتذكره.
من الذروة القومية إلى التغييب التدريجي (مؤشر مركب 0-100)
بعد 2024 لوحظ انخفاض حاد مع إلغاء الفعاليات وتغيير أسماء المدارس.

