حملة الذهبي في جامعة دمشق.. النقاب يكشف هشاشة المؤسسة وفراغ الدولة

يصعب قراءة الجدل الذي أثارته حملة “الذهبي” داخل جامعة دمشق باعتباره نقاشا اجتماعيا حول النقاب وحده.

المسألة أعمق من لباس ديني، وأخطر من فيديو دعائي انتشر على منصات التواصل، فما حدث يضع الجامعة، بوصفها مؤسسة عامة، أمام اختبار مباشر لقدرتها على ضبط مجالها الداخلي، وحماية استقلالها الأكاديمي، ومنع تحويل الحرم الجامعي إلى مساحة مفتوحة أمام الفاعلين الدعويين والسياسيين والاجتماعيين غير الخاضعين لرقابة واضحة.

عمليا مثل هذه الأزمات تظهر عندما تفقد المؤسسات الرسمية احتكار القواعد داخل مجالها السيادي، فالدولة الهشة لا تعني غياب الحكومة فقط، بل وجود حكومة تصدر بيانات، من دون أن يكون واضحا من يملك القرار الفعلي على الأرض.

السؤال الأساسي وسط “النشاط الدعوي” في سوريا هو هل دخلت حملة “الذهبي” جامعة دمشق بموافقة رسمية، كما يقول الحساب المرتبط بها، أم أن بيان الجامعة جاء لتغطية ارتباك إداري بعد انتشار الفيديوهات؟ في الحالتين، نحن أمام خلل مؤسسي واضح.

الفراغ الأمني لا يبدأ من السلاح

يرتبط مفهوم الفراغ الأمني غالبا بالمليشيات والمعابر والسلاح، لكنه داخل الدولة الهشة يظهر أيضا في تفاصيل مدنية أقل صخبا وأكثر دلالة.

دخول جهة غير جامعية إلى الحرم، وتنظيم نشاط ذي طابع دعوي داخل كلية الطب، والتصوير والترويج من داخل مؤسسة تعليمية، كلها مؤشرات على رخاوة في ضبط المجال العام، فالمسألة لا تتعلق بوجود قوة مسلحة، بل بغياب حدود واضحة بين المؤسسة الرسمية والفاعلين غير الرسميين، وبعجز الإدارة عن حماية الطلاب والطالبات من أي ضغط رمزي أو اجتماعي داخل فضاء يفترض أنه مخصص للتعليم والمعرفة.

الفراغ الأمني هنا يظهر في غياب القاعدة، فعندما تحتاج الجامعة إلى بيان عام بعد انتشار نشاط مثير للجدل، من دون أن تقدم للرأي العام جوابا واضحا حول الترخيص، فهذا يعني أن المساحة المؤسسية لم تكن محصنة بما يكفي.

حين يرد حساب “الذهبي” بلهجة المنتصر، معلنا أنه حصل على موافقة، ومهاجما منتقديه بوصفهم “فلولا” و”علمانيين” و”كارهي الإسلام”، فهذا يعني أن الفاعل غير الرسمي لا يكتفي بالعمل داخل المجال العام، بل ينازع المؤسسة الرسمية على حق تفسير ما حدث.

حملة “الذهبي”.. دعوة أم استعراض سلطة؟

النقد المباشر لحملات “الذهبي” يبدأ من تحويل هذا الحق الفردي في اللباس إلى حملة جماعية منظمة، تدخل الجامعات، وتوزع لباسا، وتنتج فيديوهات، وتقدم نفسها كقوة أخلاقية تصحح المجتمع.

تتجاوز الحملة حدود الدعوة الفردية إلى صناعة ضغط رمزي على النساء، خصوصا عندما يجري وصف لباس معين بأنه “الزي الأصلي” أو “لباس الحشمة والوقار”، بما يوحي ضمنيا أن ما عداه خروج عن الأصل أو نقص في الوقار.

الحملة تبني سردية كاملة حول جسد المرأة ومظهرها وهوية المجتمع، وتستخدم مفردات دينية وأخلاقية لتكريس معيار واحد للحشمة، وتفعل ذلك في فضاءات عامة حساسة، مثل الجامعة، حيث توجد طالبات من خلفيات اجتماعية وفكرية ودينية مختلفة.

الجامعة ليست مسجدا، ولا مقر جمعية دعوية، أو منصة تعبئة أيديولوجية، فهي مساحة معرفة، وأي نشاط داخلها يجب أن يخضع لمعيار واضح؛ هل يخدم العملية التعليمية ويحترم التعدد ويخلو من الضغط؟ وهل حصل على ترخيص معلن؟

الدولة الهشة التعايش مع الفاعلين بدل ضبطهم

في الدولة المتماسكة، لا تكفي نية المنظمين ولا شعبية الحملة ولا صفتها الدينية فالقواعد أعلى من الجميع، الجهة التي تريد تنظيم نشاط داخل جامعة عامة تقدم طلبا مكتوبا بكافة المعلومات، أما في الدولة الهشة، تتراجع هذه القواعد لصالح التفاهمات غير المعلنة، والعلاقات الشخصية، والرسائل المزدوجة.

بيان جامعة دمشق قال إن الأنشطة تحتاج موافقات أصولية لكنه بقي ناقصا من حيث الجوهر. البيان، لم يقل إن حملة “الذهبي” مخالفة أو مرخصة، ولم يوضح إن كان هناك تحقيق إداري، ولا الجهة التي سمحت أو منعت.

هذا الغموض منح الحملة فرصة للرد من موقع القوة، لا موقع المساءلة، وهنا تبدو المؤسسة الرسمية كأنها تدير الضرر الإعلامي، لا تضبط المجال الجامعي.

الجامعة بين الحياد والتنازل

أخطر ما تكشفه الحادثة أن الجامعة يمكن أن تتحول من مؤسسة حيادية إلى ساحة تنازع رمزي، فدخول حملة دينية ذات خطاب تعبوي إلى كلية الطب هو إقحام لمعيار خارجي إلى فضاء علمي، ثم تحويل الطالبات إلى مادة بصرية في فيديو دعائي.

حتى عندما تكون المشاركة طوعية، يبقى السؤال قائما، فهل تستطيع طالبة داخل هذا المناخ أن تقول لا من دون أن تشعر بأنها ضد “الحشمة” أو “الهوية” أو حتى ضد المزاج العام؟

الحياد الجامعي حماية للدين من التوظيف، وللطالبات من الضغط، وللمؤسسة من الاختراق، فمن حق الطالبات اختيار لباسهن، لكن ليس من حق أي حملة أن تدخل لتقرر لهن رمزيا ما هو “الأصل” و “الوقار”، فالفرق كبير بين حرية اللباس وبين تنظيم حملة لتوجيه اللباس داخل جامعة عامة.

الاستقطاب بوصفه أداة عمل

يكشف خطاب “الذهبي” تجاه المنتقدين مشكلة تتجاوز أصل النشاط نفسه، حيث لجأت الحملة إلى لغة تصنيفية حادة تقسم المعترضين إلى “فلول” و”علمانيين” و”كارهي الإسلام”.

هذا النوع من الردود يعكس منطق تعبئة واستقطاب يحول الاعتراض القانوني والإداري إلى معركة هوية، ويستبدل الشفافية بالمزايدة الدينية والتخوين السياسي.

الدولة الهشة لا تحتمل مزيدا من الفاعلين الذين يقسمون المجتمع إلى مؤمنين وخصوم، أو أصليين ومشوهين، أو حماة هوية وكارهين لها.

أين تكمن مسؤولية جامعة دمشق؟

مسؤولية جامعة دمشق في هذه القضية أوسع من حدود البيان الإداري العام، فالغموض الذي أحاط دخول حملة “الذهبي” إلى الحرم الجامعي لا ينفصل عن طبيعة الحملة نفسها، بوصفها فاعلا دعويا منظما يتحرك عبر شبكات تعبئة وتوثيق وتمويل وانتشار ميداني، لا عبر نشاط طلابي عابر.

يصبح هذا المعطى أكثر حساسية في ظل الجدل السابق حول “بيت الأخوات”، وما أثير بشأن صلات محتملة بين مبادرات دعوية غير مرخصة وآليات استقطاب اجتماعي للنساء والفتيات، فالحملة ليست مجرد خلل بروتوكولي في تنظيم فعالية داخل كلية الطب، بل مؤشرا على قابلية مؤسسة عامة لاختراق رمزي من فاعلين يحملون مشروعا اجتماعيا ودعويا يتجاوز حدود النشاط الخيري المعلن.

هذا الغموض يمثل اختبارا مباشرا لسيادة المؤسسة الجامعية داخل دولة تعاني هشاشة في ضبط المجال العام، فحين تبقى العلاقة بين جامعة رسمية وحملة دعوية مثيرة للجدل محكومة بالتباس الموافقات والروايات المتضاربة، يتشكل فراغ إداري وأمني ناعم يسمح للفاعلين غير الرسميين بتوسيع نفوذهم داخل مؤسسات التعليم.

ما يجعل الأمر أكثر خطورة أن تجربة “بيت الأخوات” أظهرت كيف يمكن للمبادرات ذات الغطاء الديني أو الخيري أن تتحول، في غياب الشفافية والرقابة، إلى شبكات تأثير مغلقة يصعب تتبع حدودها ومسؤولياتها.

تكشف قضية “الذهبي” في جامعة دمشق هشاشة أعمق من حادثة تصوير أو توزيع لباس؛ هي تفضح تراجع قدرة المؤسسة العامة على رسم الحدود بين الحرية الشخصية، والنشاط الدعوي المنظم، والضغط الاجتماعي داخل فضاء يفترض أنه محكوم بالقانون والمعرفة لا بالمزايدة الرمزية.

ليست معركة نقاب بل معركة قواعد

قضية “الذهبي” في جامعة دمشق ليست صراعا بين متدينين وعلمانيين، ولا بين الحجاب وخصومه، فهذه قراءة تخدم الحملة نفسها لأنها تنقل النقاش من القانون إلى الهوية.

القضية الحقيقية في استمرار الجامعة كمؤسسة عامة محكومة بقواعد معلنة، وعدم تحولها لمساحة مفتوحة لمن يمتلك قدرة تعبئة أعلى وصوتا أعلى على المنصات.

النقد المباشر لحملات “الذهبي” واجب لأنها تستخدم خطابا دينيا لتوسيع نفوذ اجتماعي غير شفاف داخل مؤسسات عامة، وتخلق فرزا اجتماعيا خطرا على البنية السورية، وتخلط أيضا بين العمل الخيري والدعوة والاستعراض البصري، فتضغط على المجال الجامعي باسم “الحشمة”، وترد على الأسئلة الإدارية بمنطق التخوين.

هذا السلوك لا يبني مجتمعا متدينا، بل يكشف هشاشة الدولة وضعف مؤسساتها أمام الفاعلين غير الرسميين.

الجامعة تبدأ من الحرية، لكنها لا تعيش من دون نظام. والدولة التي تريد التعافي يجب أن تبدأ من أبسط أسئلتها.. من يملك القرار داخل مؤسساتها؟

حملة “الذهبي” – قراءة

حملة “الذهبي” في جامعة دمشق

قراءة في هشاشة الدولة واختراق الفضاء العام
لمحة: المقال يحلل أبعاد حملة “الذهبي” داخل جامعة دمشق، كاشفًا عن هشاشة الدولة وضعف ضبط المؤسسات أمام الفاعلين غير الرسميين. الرسوم البيانية أدناه تترجم المفاهيم النوعية إلى مؤشرات مقارنة، لتوضيح الفجوة بين الدولة المتماسكة والدولة الهشة، وتصنيف الفاعلين في المجال العام.

خصائص الدولة: المتماسكة مقابل الهشة

⬅️ قيم افتراضية مستخلصة من وصف المقال: الدولة الهشة تنخفض في وضوح القواعد، الرقابة، الحياد، ضبط الفاعلين، والشفافية.

الفاعلون في الفضاء العام (حسب التأثير)

⬅️ تصنيف يعكس تداخل الأدوار في غياب الرقابة: الفاعل الدعوي غير الرسمي يضغط على المؤسسة الرسمية.

الخلاصة البصرية: الفجوة بين الدولة المتماسكة والدولة الهشة تظهر بوضوح في قدرة المؤسسات على حماية استقلالها وضبط الفاعلين. حملة “الذهبي” ليست مجرد نشاط دعوي، بل مؤشر على تراجع القواعد لصالح النفوذ غير الرسمي، مما يحوِّل الجامعة إلى ساحة تنازع رمزي بدلاً من فضاء معرفي محايد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *