القتل الانتقامي في سوريا.. خريطة الضحايا تكشف حدود سلطة الدولة

أخطر دلالات مقتل 141 شخصا في سوريا منذ مطلع عام 2026 يتجاوز ارتفاع العدد وحده، فهو  يظهر كوسيلة موازية لتحديد المذنب وإنزال العقوبة خارج إطار القانون.

حين يقرر فرد أو مجموعة من يستحق الموت، تتحول الجريمة إلى تحد مباشر لسلطة الدولة، لأن جهة غير قضائية نصبت نفسها خصما وقاضيا ومنفذا للحكم.

يوحي توزع الضحايا على ثماني محافظات بأن البلاد تواجه حوادث متفرقة، لكن قراءة الخريطة تقود إلى نتيجة مختلفة، فالعنف منتشر جغرافيا، إلا أنه شديد التركز في مناطق محددة، وهذه المفارقة هي مفتاح فهم قراءة هذه الأحداث.

حمص ليست الأولى في القائمة فقط

سجلت حمص 70 ضحية، أي إنها تكاد تعادل بمفردها حصيلة المحافظات السبع الأخرى مجتمعة، والبالغة 71 ضحية، ومع إضافة حماة واللاذقية، يصبح عدد الضحايا في المحافظات الثلاث 112 شخصا، أو نحو أربعة أخماس الحصيلة.

هذا التركز لا يثبت وجود غرفة عمليات واحدة، لكنه يجعل تفسير الجرائم باعتبارها حوادث موزعة عشوائيا أقل إقناعا، فحمص وحماة واللاذقية تشكل قوسا جغرافيا متصلا نسبيا، ما يعني أن آثار الخوف والشائعات وحركة الأفراد لا تتوقف عند الحدود الإدارية لكل محافظة.

الأرجح أن الخريطة تعكس تراكب أكثر من عامل من خصومات موروثة، وثغرات في الضبط الأمني، وضعفا في قدرة القضاء على الوصول إلى بعض البيئات بالسرعة نفسها.

تبدو الجرائم منفصلة من حيث المنفذين وربما الدوافع، إلا أن وقوعها ضمن رقعة واحدة يمنحها أثرا سياسيا مشتركا، فالنقاش يتجاوز عدد الضحايا إلى السؤال عن أسباب تفاوت قدرة الدولة على توفير الحماية بين منطقة وأخرى.

ليست كل جريمة طائفية.. لكن الحصيلة قد تصبح كذلك

تكشف الأرقام أن 104 من الضحايا، أي 73.8% من الإجمالي، ينتمون إلى مكون طائفي واحد، فيما توزعت الحالات الأخرى على مكونات متعددة، ولا يكفي هذا التركز للجزم بأن جميع الجرائم ارتكبت بدافع طائفي، لكنه يضع هذا المؤشر في صلب المشهد، ويجعل هوية الضحايا عاملا لا يمكن فصله عن قراءة آثار العنف ومساره المحتمل.

لكن دافع الجريمة ونتيجتها السياسية ليسا شيئا واحدا، فبعض الحوادث ربما ناجمة عن ثأر عائلي أو خصومة شخصية أو اتهام مرتبط بالماضي، ثم تتراكم الوقائع لتنتج شعورا بأن جماعة كاملة أصبحت هدفا، عندها يتحول الخوف من تجربة فردية إلى موقف جماعي، وتبدأ الهوية بتحديد أين يسكن الناس، وبمن يثقون، وإلى من يلجؤون طلبا للحماية.

تعزز غلبة الرجال هذا الاحتمال‘ فمن أصل 141 ضحية، كان هناك 127 رجلا، ما يرجح وجود قدر من الانتقائية في اختيار المستهدفين، ربما بناء على أدوار سابقة أو شبهات أو خصومات.

غير أن مقتل 9 سيدات و5 أطفال يكشف أن دائرة العنف ليست محكمة الإغلاق، وأن انتقالها من الفرد إلى أسرته يظل ممكنا.

من يملك حق العقاب؟

تقاس سلطة الدولة باحتكارها استخدام القوة وحصر العقوبة في إطار القانون، وكل عملية قتل تنفذ بذريعة القصاص أو التصفية تعني أن منفذها نصب نفسه صاحب الحق في الاتهام والحكم والتنفيذ.

عمليا لهذا لا تبدو الأزمة أمنية فقط، فهي متعلقة بالثقة والعدالة والعلاقة بين المركز والمجتمعات المحلية، كما لا تقدم الأرقام ما يثبت وجود محرك خارجي مباشر؛ فالعوامل الداخلية تبدو أقوى من غياب التحقيقات الواضحة، وتعدد مراكز النفوذ، والخوف من الإدلاء بالمعلومات، واستمرار ذاكرة الصراع داخل المدن والبلدات.

في هذا الفراغ، يتحول غياب العدالة من نتيجة للأزمة إلى محرك لها، فالإفلات من العقاب يخفض الكلفة المتوقعة للجريمة ويشجع على تكرارها، ما يسمح للعنف بأن يعيد إنتاج نفسه بصورة لامركزية، حتى من دون جهة واحدة تخطط له أو تديره.

العنف المنخفض أخطر من الانفجار السريع

ترجح المعطيات الحالية مسارا أقل صخبا وأكثر استنزافا من الانفجار الشامل، عبر جرائم متقطعة ومتركزة جغرافيا، تستهدف الرجال غالبا، ثم تنحسر من الاهتمام العام قبل أن تعود باسم جديد.

تكمن خطورة هذا المسار في تطبيع العنف داخل الحياة اليومية، مع بقائه دون عتبة الحرب المفتوحة.

أما الانتقال إلى مستوى أخطر فستكشفه مؤشرات أخرى، مثل ظهور عمليات انتقام متبادلة، وارتفاع عدد النساء والأطفال، وانتقال القتل إلى محافظات جديدة، أو نشوء حواجز وحراسات محلية وحركة نزوح مرتبطة بالهوية، عندها بدأ الخوف بإعادة تشكيل الجغرافيا الاجتماعية.

يبدأ الاحتواء حين تخرج الجرائم من دائرة الغموض وتتحول إلى ملفات قضائية تكشف المسؤولين وتمضي من جمع الأدلة إلى المحاكمة، عندها يصبح تقدم القضايا داخل القضاء المقياس الأوضح لمدى استعادة الدولة سلطتها القانونية.

لا تقول الأرقام إن سوريا تتجه حتما إلى صراع طائفي، لكنها تؤشر لمعركة بناء الدولة بأنها تجري أيضا حول سؤال من يحدد الجريمة، ومن ينفذ العقوبة؟ فإذا بقي الرصاص أسرع من القضاء، ستستمر خريطة الضحايا في رسم حدود سلطة الدولة.

القتل الانتقامي في سوريا — خريطة الضحايا

منذ مطلع عام 2026 · قراءة رقمية في حدود سلطة الدولة

141إجمالي الضحايا
8محافظات متأثرة
73.8%من مكوّن طائفي واحد
90%من الضحايا رجال
79.4%تركز في 3 محافظات
تركز الضحايا حسب المحافظة
حمص تكاد تعادل بمفردها حصيلة المحافظات السبع الأخرى مجتمعة
70
حمص
71
المحافظات
السبع الأخرى
70حمص
112حمص + حماة + اللاذقية
79.4%نسبة التركز الثلاثي
71باقي المحافظات مجتمعة
حمص وحدها سجلت 70 ضحية، أي ما يعادل تقريبًا حصيلة المحافظات السبع الأخرى (71). ومع إضافة حماة واللاذقية، يرتفع العدد إلى 112 ضحية أي نحو أربعة أخماس الحصيلة الكلية. هذا التركز الجغرافي المتصل يشير إلى تراكب عوامل متعددة، لا إلى حوادث موزعة عشوائيًا.
التركيز الطائفي للضحايا
من إجمالي 141 ضحية
73.8% 104 من 141
مكوّن طائفي واحد 104
مكونات متعددة 37
104 من الضحايا (73.8%) ينتمون إلى مكوّن طائفي واحد. لكن هذا التركز لا يكفي للجزم بأن جميع الجرائم ارتكبت بدافع طائفي، إذ إن دافع الجريمة ونتيجتها السياسية ليسا شيئًا واحدًا. غير أن المؤشر يبقى في صلب المشهد ويجعل هوية الضحايا عاملًا لا يمكن فصله عن قراءة آثار العنف ومساره المحتمل.
توزيع الضحايا حسب الجنس والفئة
127 رجلًا · 9 سيدات · 5 أطفال
رجال127 (90.1%)
سيدات9 (6.4%)
أطفال5 (3.5%)
غلبة الرجال (127 من 141) ترجّح وجود قدر من الانتقائية في اختيار المستهدفين، ربما بناءً على أدوار سابقة أو شبهات أو خصومات. غير أن مقتل 9 سيدات و5 أطفال يكشف أن دائرة العنف ليست محكمة الإغلاق، وأن انتقالها من الفرد إلى أسرته يظل ممكنًا.
مؤشرات الانتقال إلى مستوى أخطر
علامات يراقبها المحللون لقياس تصاعد العنف
الأولعمليات انتقام متبادلة
الثانيارتفاع عدد النساء والأطفال
الثالثانتقال القتل لمحافظات جديدة
الرابعنشوء حواجز وحراسات محلية
الخامسنزوح مرتبط بالهوية
الخلاصة البنيوية: المسار الأرجح حاليًا هو عنف منخفض ومستنزف — جرائم متقطعة ومتركزة جغرافيًا، تستهدف الرجال غالبًا، ثم تنحسر من الاهتمام العام قبل أن تعود باسم جديد. خطورته تكمن في تطبيع العنف داخل الحياة اليومية مع بقائه دون عتبة الحرب المفتوحة.
المعادلة المركزية: الرصاص مقابل القضاء
كل عملية قتل خارج القانون تعني أن منفذها نصب نفسه خصمًا وقاضيًا ومنفذًا
أسرع
الرصاص
(العقوبة خارج القانون)
أبطأ
القضاء
(الملفات والمحاكمة)
تقاس سلطة الدولة باحتكارها استخدام القوة وحصر العقوبة في إطار القانون. في الفراغ الحالي، يتحول غياب العدالة من نتيجة للأزمة إلى محرك لها، فالإفلات من العقاب يخفض الكلفة المتوقعة للجريمة ويشجع على تكرارها، ما يسمح للعنف بأن يعيد إنتاج نفسه بصورة لامركزية.
الخلاصة الاستقصائية

لا تقول الأرقام إن سوريا تتجه حتمًا إلى صراع طائفي، لكنها تؤشر إلى أن معركة بناء الدولة تجري أيضًا حول سؤال: من يحدد الجريمة، ومن ينفذ العقوبة؟
ويبدأ الاحتواء حين تخرج الجرائم من دائرة الغموض وتتحول إلى ملفات قضائية تكشف المسؤولين وتمضي من جمع الأدلة إلى المحاكمة.
فإذا بقي الرصاص أسرع من القضاء، ستستمر خريطة الضحايا في رسم حدود سلطة الدولة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *