تحول المبادأة إلى اختبار للعمق السوري
انتقلت المعركة على الجبهة السورية في 12 تشرين الأول 1973 من الدفاع عن خط وقف إطلاق النار إلى القتال في مواقع متقدمة داخل الأراضي السورية.
كانت “القوات الإسرائيلية” توسع الاختراق الذي بدأته في اليوم السابق، فيما حاول الجيش السوري إبطاء الحركة ومنعها من التحول إلى اندفاع متصل نحو العمق.
لم يعد السؤال في ذلك اليوم متعلقا بمن يسيطر على معظم الجولان بعد تبدل خطوط القتال، فالتحدي أصبح باختبار قدرة “إسرائيل” على تحويل اختراقها إلى تقدم مستقر، وقدرة سورية على إدخال احتياطاتها وحلفائها قبل اتساع الفجوة.
حققت “القوات الإسرائيلية” تقدما ميدانيا، وسيطرت على مزارع بيت جن بحسب روايتها الرسمية، بينما أخفق هجومها على تل شمس في تحقيق هدفه في ذلك اليوم، في المقابل، ظهرت مؤشرات على أن التقدم سيواجه مقاومة أكبر كلما ابتعد عن خط الانطلاق.
مزارع بيت جن.. الجغرافيا التي قيدت الحركة
ركز الجهد الشمالي “الإسرائيلي” على محور مزارع بيت جن، عند سفوح جبل الشيخ، وعلى محور جنوبي باتجاه تل شمس.
تصف “وزارة الدفاع الإسرائيلية” مزارع بيت جن بأنها موقع متقدم في منظومة الدفاع عن الطريق المؤدي إلى دمشق، على بعد نحو 45 كيلومترا جنوب غربي العاصمة، ومن هذه الزاوية اكتسبت البلدة أهمية تتجاوز مساحتها، فالسيطرة عليها تساعد على حماية محاور التقدم وتوسيع موطئ القدم “الإسرائيلي” داخل سوريا.
لكن طبيعة المكان عقدت حركة القوة المهاجمة، فالنهر والجسر والبيوت والأحراج ضيقت مسارات الدبابات والآليات، وجعلت الوحدات المتقدمة أكثر عرضة للنيران.
تذكر الرواية الإسرائيلية أن القوات السورية أمطرت القوة المدافعة عنها بنيران مدفعية دقيقة، وأن قصفها الجوي والمدفعي أصاب وحدات “إسرائيلية” وأربك خطة التقدم، كما واجهت القوة المهاجمة صعوبة في تحديد مصادر النيران، وتعرضت دبابات وآليات للازدحام قرب الجسر.
تقول الرواية الإسرائيلية أيضا بأن قواتها استولت على مزارع بيت جن قرابة الساعة الثانية بعد الظهر، بعد قتال حول البلدة والجسر، وتذكر أيضا أن القوة المهاجمة تعرضت لخسائر، فنحو 11 دبابة تضررت في إحدى مجموعاتها، وحصيلة القتلى الإسرائيليين في المعركة بلغت 16 جنديا.
البلدة خرجت من السيطرة السورية في ذلك اليوم، لكن تمنع المشهد لا يختزل في تقدم سهل، وتوضح أن السيطرة على موقع مهم لا تعني أن الطريق إلى ما بعده صار آمنا أو مفتوحا.
تل شمس.. جبهة بقيت متحركة
في القطاع الجنوبي حيث تتواجد الفرقة 36، تقدمت القوات نحو تل شمس، وحسب رواية تاريخية لاحقة فإن القوات “الإسرائيلية” أخفقت في السيطرة على التل في محاولة 12 تشرين الأول، رغم نجاحها في تحقيق تقدم بمحاور أخرى، وبقيت الجبهة مختلفة من محور إلى آخر، فخسرت القوات السورية مزارع بيت جن، لكنها لم تفقد كل المواقع التي حاولت “إسرائيل” انتزاعها.
هذه المفارقة توضح ان التقدم في قطاع واحد لا يضمن انهيار الدفاع على امتداد الجبهة، ولا يسمح لقائد القوة المهاجمة بتحريك وحداته بحرية بين المحاور، وكل موقع لم يحسم كان يفرض مراقبة وحماية واحتياطا، ويستهلك وقتا وذخيرة.
بالنسبة إلى القوات السورية، لم يكن الاحتفاظ بتل شمس تعويضا عن خسارة مزارع بيت جن، لكنه ساعد على منع الاختراق من التحول إلى خط تقدم متصل بلا مقاومة.
الاحتياط السوري والتدخل العراقي
كان العامل الأبرز في تغير ميزان اليوم وصول القوات العراقية إلى منطقة القتال.، حيث يذكر باحث عسكري “إسرائيلي” أن وحدات من اللواء العراقي 12، التابع للفرقة المدرعة الثالثة، ظهرت يوم 12 تشرين الأول أمام قوات “إسرائيلية” وكانت تتقدم على الجبهة، ويشير المصدر إلى أن الفرقة الإسرائيلية 210 واجهت هذا التطور وهي تعاني التعب ونقص الوقود والذخيرة، وظهور القوة العراقية دفعها إلى وقف التقدم والاستعداد للمواجهة.
كما تورد دراسة عسكرية منشورة في مجلة الجيش الأسترالي أن “القوات الإسرائيلية” تقدمت في ذلك اليوم، ثم واجهت الفرقة المدرعة السورية الأولى في الاحتياط، ما خفض وتيرة تقدمها في الشمال، وتسجل الدراسة وصول لواء عراقي مدرع ومشاركته في هجوم مضاد، لكنها لا تفصل بوضوح بين اشتباكات 12 تشرين الأول والمعركة التي استمرت بعد منتصف الليل، وهنا ينبغي التمييز بين وصول القوات العراقية وبدء احتكاكها بـ”القوات الإسرائيلية” في اليوم السابع، وبين تطور القتال المدرع في الساعات التالية.
وصول التعزيزات العربية أجبر “القيادة الإسرائيلية” على حساب مخاطر الجناح والوقود والإمداد، ورفع كلفة مواصلة الهجوم بالمعدل نفسه.
وفي الوقت ذاته، لم يكن كافيا لقلب اتجاه المعركة في الحال؛ فـ”القوات الإسرائيلية” احتفظت بمكاسبها في بعض المحاور، وكانت لا تزال تملك المبادأة، وظهرت القيمة العسكرية للتعزيزات في تضييق خيارات الخصم وإبطاء التقدم، لا في ادعاء حسم لم يحدث.
يوم مكاسب وخطوط لم تستقر
تقدر دراسة عسكرية أسترالية أن “القوات الإسرائيلية” توغلت نحو عشرة كيلومترات في الشمال وعشرين متراً في الجنوب خلال المرحلة التي تناولتها، لكنها تسجل أيضا أن الفرقة السورية الأولى أبطأت التقدم في الشمال.
كانت حصيلة 12 تشرين الأول مختلطة، لكنها لم تكن متعادلة ميدانيا، فـ”إسرائيل” وسعت اختراقها وسيطرت على مزارع بيت جن، فيما احتفظت سورية بمواقع على محاور أخرى، وبدأت القوات العراقية تدخل حسابات المعركة.
الدفاع السوري جعل التقدم يتباطأ ويتحول إلى سلسلة اشتباكات منفصلة، ومنح الاحتياط العربي وقتا للوصول إلى الجبهة، فالمعارك كانت اختبارا لقدرة كل طرف على الاستمرار.
واجه الجيش السوري ضغطا متزايدا وخسر موقعا مهما، لكنه لم يفقد القدرة على القتال أو إدخال قوات جديدة، أما “إسرائيل”، فامتلكت زمام المبادأة وحققت تقدما، غير أن المسافة بين الاختراق والحسم بقيت قائمة، ودخلت الحرب مرحلة صار فيها كل محور وكل تعزيز قادرين على تغيير إيقاعها.
12 تشرين الأول 1973: بيت جن تتقدم، وتل شمس تصمد
مشهد تفاعلي لمحوري الهجوم، والقتال عند مزارع بيت جن، ثم أثر وصول التعزيزات في إيقاع التقدم الإسرائيلي.
تقدم على محورين ونتيجتان مختلفتان
سعى هذا المحور إلى بلوغ البلدة عند سفوح جبل الشيخ، وهي موقع متقدم على الطريق المؤدي إلى دمشق.
حاولت القوات الإسرائيلية تثبيت تقدمها جنوبا، لكن المحاولة للسيطرة على التل لم تنجح في ذلك اليوم.
مزارع بيت جن: الجسر والبلدة يبطئان الدبابات
بدأ التمهيد المدفعي الإسرائيلي، ثم تمركزت الدبابات لتغطية تقدم القوة.
ردت القوات السورية بنيران مدفعية كثيفة، واستفادت من مواضع الرصد على جبل الشيخ.
ضاق مسار الحركة قرب الجسر والبيوت، وواجهت القوة صعوبة في تحديد مصادر النيران.
تقول الرواية الإسرائيلية إن البلدة أصبحت تحت سيطرتها قرابة الساعة 14:00.
مكسب موضعي إسرائيلي، واحتياط يبطئ الاندفاع
ما تحقق لإسرائيل
سيطرت قواتها على مزارع بيت جن ووسعت موطئ قدمها داخل سورية. لكن تل شمس بقي خارج سيطرتها في محاولة ذلك اليوم، وفقا للرواية التاريخية المتاحة.
ما تغير على الجبهة
دخلت وحدات عراقية إلى منطقة الاشتباك، وواجهت القوات الإسرائيلية الفرقة المدرعة السورية الأولى في الاحتياط. وتذكر دراسة عسكرية أن هذا الظهور أبطأ التقدم في الشمال.
القوات الإسرائيلية تواصل التقدم شرقا.
المدفعية والمواضع السورية ترفع كلفة الحركة.
القوات العراقية تصل إلى الجبهة وتدخل الاشتباك.
تقدم ميداني، من دون انهيار فوري للدفاع السوري.

