تكشف مقابلة إلهام أحمد، الرئيسة المشتركة لهيئة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية، في آخر لقاء لها مع “مركز الخليج للأبحاث”، عن انتقال واضح في الخطاب السياسي الكردي في سوريا.
لم يعد الحديث يدور حول تثبيت نموذج إداري قائم أو توسيع نطاقه، بل حماية ما أمكن من مكتسباته داخل مسار اندماج مع سلطة دمشق بدأ تحت ضغط التحولات العسكرية والسياسية.
تتحدث أحمد من موقع تفاوضي أضعف مما كان عليه قبل خسارة الرقة ودير الزور وتراجع قوات سوريا الديمقراطية إلى مناطق محدودة في الحسكة، لكنها تحاول إعادة تعريف هذا التراجع باعتباره خسارة للجغرافيا لا للمشروع السياسي.
في هذا الخطاب، تظهر اللغة بوصفها أداة لإدارة التوازن بين الاعتراف بالواقع الجديد ورفض التسليم الكامل بشروطه، فـ”أحمد” لا تنكر أن سلطة دمشق استعادت موقع المبادرة، ولا تدعي أن الإدارة الذاتية ما تزال تعمل كما كانت، لكنها ترفض توصيف ما يحدث باعتباره حلا للإدارة أو عودة إلى ما قبل عام 2011.
بين هذين الحدين، تبني سردية تقوم على مفهوم “الاندماج التكاملي”، في مواجهة ما تسميه ضمنيا الاندماج المفروض من طرف واحد.
إدارة ذاتية قيد التفكيك أم مؤسسات قيد إعادة التوزيع؟
تبدأ المقابلة بسؤال رمزي مباشر: لماذا ما زال علم الإدارة الذاتية موجودا إلى جانب العلم السوري؟ يأتي جواب أحمد عمليا لا احتفاليا، فالمؤسسات لا تزال تعمل، لكنها تنتظر استكمال عملية الدمج، والموظفون سيواصلون عملهم ضمن دوائر حكومية جديدة، والمديريات ستنقل تدريجيا إلى وزارات الدولة عبر محافظ الحسكة.
هذه الصياغة تؤدي وظيفة سياسية محددة، فهي تتجنب الاعتراف بأن الإدارة الذاتية تفكك، وتستبدل بذلك تعبيرا إداريا أقل حدة، نقل الموظفين ودمج المديريات.
لكن المقابلة تكشف أن الدمج لم يتجاوز دائرتين تقريبا، وأن الخلافات حول التعيينات والصلاحيات ما تزال قائمة، فيبدو الخطاب محكوما بمفارقة أساسية؛ الاعتراف بوجود مسار مركزي تقوده سلطة دمشق، مع محاولة إقناع الجمهور بأن هذا المسار لا يعني إلغاء التجربة السابقة.
لا تستخدم “أحمد” لغة الانتصار أو الشراكة المتكافئة، بل تتحدث عن “مرحلة انتقالية” وتفاهمات تحتاج إلى وقت، ومماطلة حكومية في تنفيذ البنود.
هذا الاختيار اللغوي يعكس إدراكا لاختلال ميزان القوى، لكنه يهدف أيضا إلى تثبيت فكرة أن الإدارة الذاتية ما تزال طرفا في التفاوض، وليست مجرد بنية إدارية تنتظر استيعابها.
الدمج العسكري وحدود إعادة تعريف القوة
في الملف العسكري، تقدم “أحمد صورة” أكثر وضوحا عن حجم التحول، فتتحدث عن تشكيل أربعة ألوية، يضم كل منها نحو 1300 مقاتل، وعن تعيين مسؤول عن هذه الألوية نائبا لقائد الفرقة، إضافة إلى تعيين ممثل عن المنطقة الشرقية معاونا لوزير الدفاع، لكنها تشير في الوقت نفسه إلى وجود عدد فائض من المقاتلين لم يحسم مصيره.
تكمن أهمية هذه التصريحات أن “أحمد” تنتقل من خطاب القوة المستقلة إلى خطاب الخصوصية داخل المؤسسة العسكرية السورية.
لم تعد المطالبة ببقاء قوات سوريا الديمقراطية كجسم منفصل هي الأساس، بل ضمان استيعاب المقاتلين ضمن تشكيلات تحافظ على قدر من التماسك المحلي.
حين تسأل عن وحدات حماية المرأة، تدافع عن بقائها بالاستناد إلى خبرتها القتالية ودورها في مواجهة تنظيم “داعش” لا بوصفها مؤسسة عسكرية مستقلة عن الدولة.
هذا التحول يعبر عن إعادة صياغة لمصدر الشرعية، ففي السابق، استندت شرعية القوات إلى السيطرة الميدانية والتحالف الدولي والحرب على “داعش”، وتسعى “أحمد” اليوم تحويل هذه الخبرة إلى رأسمال تفاوضي يستخدم للحصول على موقع داخل الجيش السوري الجديد.
خسارة الجغرافيا والتمسك بالفكرة
أكثر أجزاء المقابلة كثافة كان حديث “أحمد” عن خسارة الرقة ودير الزور وانسحاب قوات سوريا الديمقراطية من مناطق أخرى، فتعترف بأن التجربة تعرضت لـ”نكسات”، لكنها تفصل بين الجغرافيا والفكرة: “قد نكون خسرنا جغرافيا، لكن الفكرة لم نخسرها”.
هذا الفصل يؤدي وظيفة دفاعية واضحة، فالتجربة السياسية لا تقاس بقدرتها على الاستمرار في المناطق التي حكمتها، بل بقدرتها على البقاء كمقترح دستوري لسوريا الجديدة.
تنتقل أحمد من الدفاع عن إدارة قائمة إلى الدفاع عن مبادئ اللامركزية والتعدد الثقافي والمشاركة المحلية والتعليم باللغة الأم.
هذا الخطاب يواجه سؤالا صعبا، فإذا كانت الإدارة الذاتية تمثل نموذجا تشاركيا، فلماذا أظهرت بعض المناطق ذات الغالبية العربية ارتياحا لخروج قوات سوريا الديمقراطية؟
تعترف أحمد بأن التجربة “لم تكن ديمقراطية بشكل مثالي”، وأن آليات الترويج والتنفيذ لم تنجح في تحويل شعارات “الأمة الديمقراطية” و”وحدة الشعوب” إلى ممارسة مقنعة لجميع السكان.
هذا الاعتراف يبقى محدودا، فهي تربط جانبا كبيرا من الإخفاق بالضغوط الخارجية، ورفض الدول إجراء انتخابات، والحملات الإعلامية، والمجموعات التي لعبت دورا عدائيا.
تقدم “أحمد” نقدا جزئيا للتجربة، من دون تفكيك كامل لأسباب ضعف قبولها في بعض البيئات العربية، أو مناقشة أثر الاعتقالات وبنية السلطة الأمنية ومحدودية التمثيل المحلي الفعلي.
اللامركزية بوصفها خط الدفاع الأخير
تكرر أحمد رفضها العودة إلى “المركزية المشددة”، وتربط أي اندماج مقبول بدستور جديد يحمي الهويات ويمنح المحافظات صلاحيات حقيقية، فهي تحاول نقل القضية الكردية من مستوى الترتيبات المؤقتة إلى مستوى الضمانات الدستورية.
تتجنب أحمد استخدام لغة الانفصال أو الفيدرالية المباشرة، وهي تعرف أن ميزان القوى الحالي لا يسمح بطرح سقوف عالية، فتستخدم مفردات أقل استفزازا لسلطة دمشق مثل الخصوصية والصلاحيات والتنمية الثقافية والتمثيل والتعليم باللغة الأم.
هذه المفردات تؤدي وظيفة مزدوجة؛ طمأنة الدولة إلى أن المطلوب ليس كيانا موازيا، والجمهور الكردي إلى أن الاندماج لن يتحول إلى إذابة سياسية وثقافية.
تطرح أحمد مسألة التمثيل في الوزارات والسلك الدبلوماسي، وتعتبر وجود ممثلين للكرد والمكونات الأخرى حقا لا محاصصة، وهنا يتحول الاندماج من عملية استيعاب إداري إلى مطالبة بإعادة توزيع رمزي للسلطة داخل الدولة.
واشنطن وتركيا.. خطاب واقعي بلا قطيعة
في تقييم العلاقة مع الولايات المتحدة، تتجنب أحمد لغة الخيانة، فتقول إن واشنطن لم تقدم وعودا بالحماية، وإن وجودها كان مرتبطا بمحاربة “داعش”، وهذا الخطاب يهدف إلى تخفيف أثر الانسحاب الأميركي على صورة القيادة الكردية، ويمنع تحويل التحالف السابق إلى خطأ سياسي معلن.
في المقابل تتحدث عن تركيا باعتبارها دولة فاعلة لا يمكن تجاوزها، وتصف دورها بأنه يمكن أن يصبح إيجابيا أو سلبيا وفق اتجاه تدخلها، وتؤكد الرغبة في رفع مستوى التواصل معها.
اللغة هنا شديدة الحذر؛ لا مواجهة مباشرة ولا تطبيع كامل، بل اعتراف بأن أي تسوية في شمال شرقي سوريا تمر عبر تفاهمات لا يمكن فصلها عن الحسابات التركية.
العلم والرمز.. حدود الاندماج الثقافي
يتحول النقاش في ختام المقابلة حول العلم إلى اختبار لمعنى الدولة، فترفض أحمد اعتبار تعدد الرموز المحلية تهديدا لوحدة سوريا، وتستشهد بتجارب الدول الأوروبية التي تسمح للمقاطعات والمحافظات برموزها الخاصة.
تقبل بعلم واحد في الخارج، لكنها تدافع عن حق المكونات في التعبير عن هوياتها داخليا.
هذا الموقف يلخص بنية خطابها كاملة؛ قبول الدولة الواحدة، ورفض الرمز الواحد حين يتحول إلى أداة لفرض تعريف أحادي للهوية الوطنية، والمشكلة وفق هذا التصور ليست في وحدة الدولة، بل في الطريقة التي تدار بها هذه الوحدة.
خطاب إلهام أحمد هو خطاب مرحلة دفاعية تفاوضية يعترف بتراجع السيطرة العسكرية، لكنه يرفض تحويل هذا التراجع إلى إلغاء سياسي، ويقبل بالاندماج، لكنه يسعى إلى تقييده بالدستور والتمثيل والخصوصية المحلية.
بين الاعتراف بالأخطاء وتحميل الخارج جزءا كبيرا من المسؤولية، تحاول أحمد حماية سردية الإدارة الذاتية من الانهيار الكامل.
يبقى السؤال الأساسي خارج نطاق اللغة، فهل تسمح موازين القوى الحالية بتحويل هذه المطالب إلى ترتيبات مؤسسية ثابتة، أم أن الاندماج الجاري سيعيد إنتاج مركزية الدولة بصيغة جديدة؟
المقابلة لا تقدم جوابا حاسما، لكنها تكشف أن المعركة انتقلت من السيطرة على الأرض إلى تعريف شروط العودة إلى الدولة.

