لبنان على طاولة واشنطن: لماذا تفاوض الدولة الضعيفة من موقع السيادة الناقصة؟

لبنان لا يدخل المفاوضات المرتقبة مع “إسرائيل” من موقع دولة تفاوض على تسوية، بل من موقع دولة تحاول التخفيف من كلفة سيادة لم تكتمل أصلا.

في الشرق الأوسط، لا تحمل الدول الصغيرة إلى الطاولة أوراقها فحسب، بل تحمل خرائطها أيضا؛ حدودا رخوة، وانقسامات أهلية، وذاكرة مفتوحة على الغزو والوصاية والتدخل، فلا يصح النظر إلى موقف الحكومة اللبنانية باعتباره مجرد ترتيب دبلوماسي أو محاولة لوقف النار، بل باعتباره انعكاسا لأزمة دولة تريد أن تفاوض كسلطة مكتملة، فيما هي لم تستكمل بعد احتكارها لقرار الحرب والسلم.

“إسرائيل” تدخل هذه الجولة وهي تحمل خبرة لبنانية طويلة جعلتها أقل إيمانا بالحلول المؤقتة، وأكثر استعدادا لاستخدام القوة حين تشعر أن ميزان الردع يختل، فالمشكلة ليست في خطأ الموقف اللبناني فقط، بل أيضا في ضيق المجال الذي يتحرك فيه أصلا.

افتراض أن التفاوض يبدأ من الصفر

الحكومة اللبنانية تبدو، في خطابها المعلن، وكأنها تريد إعادة ترتيب البداية؛ وقف إطلاق نار أولا، ثم تفاوض، وهذا مطلب مفهوم أخلاقيا وسياسيا، بل لعله المطلب الوحيد الذي تستطيع الدولة اللبنانية حمله من دون أن تنكسر داخليا.

لكن المشكلة أن “إسرائيل” لا تدخل هذه الجولة من نقطة الصفر، ولا من فراغ تاريخي، فهي محملة بخبرة لبنانية قاسية بدأت مع اجتياح 1982، ثم مع الانسحاب التدريجي إلى “الحزام الأمني”، ثم مع الانسحاب الكامل عام 2000 بعد استنزاف طويل.

وبعدها كانت حرب 2006 التي ألحقت بلبنان دمارا واسعا من دون أن تمنح “إسرائيل” الحسم الذي أرادته، وانتهت بالقرار 1701 الذي طالب بوقف الأعمال العدائية، وانسحاب القوات الإسرائيلية، وانتشار الجيش اللبناني و”اليونيفيل” جنوب الليطاني، ومنع وجود سلاح غير سلاح الدولة والقوة الدولية في تلك المنطقة.

“إسرائيل” تأتي إلى أي تفاوض جديد وفي ذهنها أن الترتيبات الورقية التي لا تترجم إلى واقع أمني قابل للتحقق لا تدوم.

هذه النقطة بالذات تجعل المقارنة مع بعض التجارب الدولية مفيدة، ولكن بشروط، فأيرلندا الشمالية، على سبيل المثال، نجحت لأنها بنيت على تدرج طويل وإدماج سياسي وشرعنة متبادلة لقواعد اللعبة، لا على مطالبة طرف مسلح بالتخلي الفوري عن كل أوراقه قبل أن تبدأ السياسة.

كولومبيا أيضا نجحت نسبيا لأن نزع السلاح كان جزءا من مسار تنفيذي مراقب، لا عنوانا أخلاقيا معلقا في الهواء.

أما لبنان، فمشكلته أن مسألة السلاح ليست لبنانية داخلية فحسب، ولا “إسرائيلية” خارجية فقط؛ إنها عقدة مزدوجة تربط الدولة اللبنانية ببنية الطائفة وبالجغرافيا الإقليمية الأوسع، وهنا تفقد المقارنات الدولية كثيرا من نقائها النظري.

ما الذي تعلمته إسرائيل من لبنان؟

الخبرة “الإسرائيلية” في لبنان لم تكن خبرة نصر صريح، بل حدود مستعصية، ففي 1982 دخلت “إسرائيل” ببرنامج معلن يهدف إلى ضرب منظمة التحرير الفلسطينية وإعادة تشكيل البيئة اللبنانية بما يلائم مصالحها.

نجحت عسكريا في إخراج المنظمة من بيروت، لكنها سرعان ما وجدت نفسها أمام واقع أكثر فوضى وأقل قابلية للضبط، فالاحتلال الطويل لجنوب لبنان، ثم الاعتماد على ميليشيات محلية حليفة( قوات لحد)، لم ينتجا أمنا مستداما، بل أنتجا بيئة مثالية لصعود حزب الله، الذي خرج أصلا من رحم الاحتلال ومن فراغ الدولة اللبنانية في الجنوب.

عندما انسحبت “إسرائيل” عام 2000، كان ذلك تتويجا لفشل نموذج “الإدارة الأمنية غير المباشرة” أكثر منه مجرد إعادة تموضع، ثم جاءت حرب 2006 لتضيف درسا آخر، فالتفوق العسكري الساحق لا يساوي بالضرورة قدرة على فرض نظام سياسي جديد على لبنان.

“إسرائيل” حين تتحدث اليوم عن نزع سلاح حزب الله أو عن ترتيبات أوسع، لا تفعل ذلك فقط من منطقها الأيديولوجي أو من فائض قوتها الحالية، بل أيضا من خوف تاريخي متراكم من العودة إلى معادلة ما بعد 2006؛ هدوء هش على الحدود، يقابله تراكم بطيء للقوة لدى حزب الله تحت سقف القرار 1701.

هذا يفسر جزئيا لماذا لا تبدو تل أبيب متحمسة لفكرة وقف النار أولا ثم النقاش لاحقا؛ فهي ترى، من منظورها، أن كل وقف نار غير مقترن بتغيير بنيوي في الجنوب اللبناني هو تأجيل لجولة أخرى، وهذا المنطق يحكم السلوك “الإسرائيلي”.

هل يشبه الموقف اللبناني تجارب ناجحة؟

تشبث الحكومة اللبنانية بوقف النار قبل توسيع التفاوض ليس علامة ضعف فقط، بل أيضا علامة عدم معرفة ضمنية بالتاريخ المقارن، فمعظم التسويات التي نجحت في بيئات منقسمة لم تبدأ بحل القضية الكبرى، بل بخفض منسوب القتل وتثبيت آلية تحقق.

هذا ما حدث بدرجات مختلفة في كولومبيا وأيرلندا الشمالية ونيبال، وفي هذه النماذج، لم يكن النجاح هو إزالة أسباب الصراع دفعة واحدة، بل تحويل السلاح من أداة تقرير يومي للمصير إلى ملف تفاوضي مؤجل ضمن إطار سياسي أوسع.

الموقف اللبناني أقرب إلى الحد الأدنى الواقعي الذي تسمح به الدولة اللبنانية، لكن هذا الحد ليس بالضرورة مشروعا ناجحا، فهو يتوقف على ما إذا كان وقف النار بوابة لمسار تنفيذي، أم مجرد هدنة مؤقتة تسمح لكل طرف بإعادة التموضع.

المشكلة أن التجارب الناجحة امتلكت عادة واحدا من أربعة عناصر لا يملكها لبنان اليوم؛ إما توافقا داخليا صلبا على قواعد اللعبة، كما في أيرلندا الشمالية بعد نضج طويل؛ أو آلية دولية واضحة للتحقق من السلاح والتنفيذ، كما في كولومبيا؛ أو وصاية تنفيذية ثقيلة كما في البوسنة بعد دايتون؛ أو انتقالا داخليا أعاد توزيع الشرعية والسلاح تدريجيا كما في نيبال.

لبنان لا يملك اليوم أيا من هذه العناصر في صورة مكتملة، فلديه وسيط أميركي لكنه ليس ضامنا محايدا بالكامل، وليس قوة تنفيذية، ودولة رسمية تطلب وقف النار، لكنها لا تملك سلطة نهائية على الطرف الأكثر تأثيرا ميدانيا، والمقارنة الدولية لا تنتهي إلى تبرئة الموقف اللبناني، بل إلى إظهار هشاشته البنيوية.

الدولة تريد التفاوض على ما لا تحتكره

جوهر الأزمة أن الحكومة اللبنانية تريد أن تفاوض “إسرائيل” بصفتها دولة ذات سيادة، لكن التجربة “الإسرائيلية” في لبنان، كما التجربة اللبنانية نفسها، تقول إن الجنوب ليس مجرد امتداد للإدارة المركزية في بيروت، بل عقدة سيادة منقوصة، تتداخل فيها الدولة والحزب والبيئة الاجتماعية والإسناد الإقليمي.

عندما تفاوض دولة على ملف لا تحتكره، فإنها تكون مضطرة إلى اعتماد لغة عمومية؛ وقف النار، والانسحاب، والتهدئة، واحترام السيادة.

هذه لغة لازمة، لكنها لا تجيب عن السؤال الذي يهم الطرف الآخر والوسيط معا؛ من الذي ينفذ؟ ومن الذي يضمن؟ ومن الذي يملك حق الإلزام؟ هذه ليست أسئلة قانونية بل أسئلة سلطة.

الحكومة اللبنانية تعتمد التكتيك السابق دون أن تملك قدرة على تحويل التكتيك إلى استراتيجية، فهي تريد من المفاوضات أن توقف الاستنزاف، وهذا مفهوم في بلد منهك اقتصاديا ومؤسساتيا، لكنها لا تملك بعد تصورا معلنا ومقنعا لكيفية الانتقال من التهدئة إلى استعادة احتكار الدولة للعنف الشرعي، ولا كيف يمكن فعل ذلك من دون انفجار داخلي.

نجاح محدود ممكن، أما الاختراق الكبير فمستبعد

القياس على التجارب الدولية يقود إلى نتيجة غير مريحة لكنها واقعية، حيث يمكن لموقف الحكومة اللبنانية أن ينجح تكتيكيا إذا كان هدفه وقف النار، وتخفيف الضغط العسكري، وفتح نافذة لإعادة ترتيب الداخل والخارج، لكنه لن ينجح استراتيجيا إذا قدم على أنه بداية تسوية كبرى من دون معالجة السؤال المركزي: من يحكم الجنوب فعليا، ومن يملك قرار السلاح، ومن يستطيع إلزام “إسرائيل” أيضا بعدم تحويل التفاوض إلى غطاء لمراكمة القوة؟

التجارب الإسرائيلية في لبنان تقول إن “تل أبيب” لا تثق بالترتيبات التي لا تنتج ضبطا ميدانيا، والتجارب الدولية تقول إن الدول الضعيفة لا تنجح في التفاوض إلا حين تخفض سقف الطموح، وتربط التهدئة بآليات تحقق وتنفيذ، وتفتح بالتوازي مسارا داخليا يعالج أصل الانقسام.

الموقف اللبناني هو محاول دولة النجاة من الجغرافيا ومن التاريخ في آن واحد، وهذه، في لبنان، مهمة أصعب كثيرا من صياغة بيان تفاوضي جيد.

لبنان على طاولة واشنطن – رسم بياني تفاعلي
لبنان على طاولة واشنطن
الدولة الضعيفة بين ذاكرة الغزوات وحدود السيادة | قراءة في المحددات البنيوية للمفاوضات
معضلات لبنان التفاوضية
هشاشة السيادة المنقوصة: لا تحتكر الدولة قرار الحرب والسلم، والجنوب عقدة تتداخل فيها الدولة والحزب والإسناد الإقليمي، ما يجعل التفاوض من موقع “تخفيف الكلفة” لا تسوية كبرى.
خبرة إسرائيل في لبنان
من الاحتلال إلى الردع الهش: فشل النموذج الأمني غير المباشر عام 2000، وحرب 2006 أثبتت أن التفوق العسكري لا يفرض نظاماً سياسياً. إسرائيل لا تثق بالترتيبات الورقية دون تغيير بنيوي ميداني.
مقارنة: متطلبات التسوية الناجحة
من أيرلندا إلى كولومبيا: النجاح يتطلب توافقاً داخلياً صلباً، آلية تحقق دولية، أو وصاية تنفيذية. لبنان يفتقر لهذه العناصر، مما يجعل الاختراق الاستراتيجي مستبعداً، والنجاح التكتيكي (وقف النار) هو الحد الأقصى الممكن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *