في 8 آب 2026، تقدمت قوة “إسرائيلية” تضم دبابات وجرافات وعشرات الجنود إلى محيط سد المنطرة والصمدانية الشرقية في ريف القنيطرةـ وأغلقت طريق الصمدانية الشرقية–خان أرنبة بسواتر ترابية، وسوت أجزاء من أراض زراعية، قرب موقع تابع لقوة الأمم المتحدة لمراقبة فصل القوات.
جاء التحرك بعد الإفراج عن شاب اعتقل خلال توغل سابق في جباتا الخشب، وتبدو الوقائع محدودة، لكنها تكشف أزمة الجبهة التي ضبطها اتفاق واحد طوال أكثر من نصف قرن، وغدت مفتوحة أمام إجراءات يومية لا توقفها القواعد القديمة ولا تستبدلها قواعد جديدة.
توضح التحركات المتكررة أن الأزمة تنشأ من اتساع المسافة بين الخريطة وما يحدث فوق الأرض، فتحتفظ سوريا بحقوقها السيادية، ويجدد مجلس الأمن ولاية القوة الدولية، بينما تملك “إسرائيل” حرية الحركة والاعتقال وإقامة الحواجز، فتصبح القضية أزمة نظام حدودي، لا مجرد خرق منفرد.
اتفاق صنع الهدوء ولم يصنع السلام
وقع اتفاق فصل القوات في 31 أيار 1974 بعد حرب تشرين، وأنشأ منطقة فصل ومنطقتين لتقييد القوات والسلاح على جانبيها.
أصدر مجلس الأمن في اليوم نفسه القرار 350 وأنشأ قوة “أندوف” لمراقبة وقف إطلاق النار والإشراف على التنفيذ، وتمتد منطقة الفصل أكثر من 75 كيلومترا، ويتراوح عرضها بين نحو عشرة كيلومترات في الوسط ومئتي متر في أقصى الجنوب.
عمليا منع الاتفاق الاحتكاك المباشر بين الجيشين من دون إنهاء الاحتلال أو بناء سلام، واعتمد نجاحه على معرفة خطوط الانتشار ووجود اتصالات لاحتواء الحوادث، لكنه ظل مرتبطا بتعاون الطرفين، لأن “أندوف” تراقب وتبلغ وتتصل ولا تملك تفويضا لإجبار جيش على الانسحاب.
وفق هذه الآلية تتراجع فعالية عندما يقرر طرف أن القيود لم تعد تلائم حساباته.
سقوط النظام وتغير قواعد الجبهة
أدى سقوط النظام السياسي السوري في 8 كانون الأول 2024 إلى تغير البيئة التي عمل داخلها الاتفاق.
أعلنت “إسرائيل” انهيار ترتيبات 1974 بعد انسحاب القوات السورية من مواقعها، وتحرك جيشها إلى منطقة الفصل ومواقع إضافية، بينها قمة جبل الشيخ السورية، وسجلت “أندوف” ارتفاعا كبيرا في التحركات “الإسرائيلية”، وأبلغت “تل أبيب “أن وجودها داخل المنطقة يمثل انتهاكا للاتفاق.
تحول الإجراء الذي قدمته “إسرائيل” باعتباره احترازيا إلى وجود ممتد ترافق مع مواقع وحواجز وعمليات تفتيش واعتقال.
أحصت الأمم المتحدة في نيسان 2025 عشرة مواقع “إسرائيلية” داخل منطقة الفصل وموقعين في منطقة تقييد القوات، كما جدد مجلس الأمن بالإجماع في 25 حزيران 2026 ولاية “أندوف” حتى نهاية العام، مشددا على حظر النشاط العسكري في منطقة الفصل.
بقي الإجماع قادرا على تمديد المهمة، لكنه عجز عن إعادة الوضع الذي يفترض أن تراقبه.
أندوف: شاهد من دون أداة تنفيذ
تكشف المفارقة بين استمرار البعثة واتساع الانتهاكات حدود عمليات حفظ السلام، فتمتلك “أندوف” دوريات ونقاط مراقبة وقنوات اتصال، لكنها تفتقر إلى تفويض قتالي، مثل باقي البعثات، لطرد قوات دخلت المنطقة، فتتحول إلى شاهد منظم على تغير الواقع عندما يسحب أحد الطرفين تعاونه.
وصف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في تموز 2026 الانتهاكات “الإسرائيلية” بأنها غير مقبولة وطالب بوقفها، وحمل الموقف ثقلا قانونيا من دون أن يغير ميزان الحركة، وتظهر هنا فجوة النظام الدولي، فيتفق مجلس الأمن على بقاء المراقبين، ثم تمنع المصالح الكبرى تحويل تقاريرهم إلى إجراءات تنفيذية.
الجغرافيا اليومية تتقدم على الخريطة
تكشف القنيطرة معنى السيطرة من خلال القدرة على تنظيم الحركة والوصول إلى الموارد، فيؤدي إغلاق طريق خان أرنبة والاقتراب من سد المنطرة إلى إعادة ترتيب علاقة القرى بمركز المحافظة، حتى لو بقيت الحدود الرسمية ثابتة.
تتحول الحركة العسكرية بهذه الطريقة من واقعة مؤقتة إلى أداة تتحكم بإيقاع الحياة المحلية، كما يدفع التكرار السكان إلى تقليص الزراعة وتجنب طرق محددة وتأجيل العودة إلى القرى.
تنتج الحركة العسكرية أثرا سكانيا واقتصاديا يتجاوز زمن التوغل، وتضع الدولة السورية أمام اختبار مباشر، حيث تقاس السيادة لدى سكان الحدود بقدرة المؤسسات على حماية الطريق والمزرعة والمياه، لا بالعلم والوثيقة العقارية وحدهما.
الأمن الإسرائيلي ومفارقة إنتاج الخطر
تقدم “إسرائيل” تحركاتها باعتبارها دفاعا استباقيا يمنع جماعات مسلحة من الاقتراب من الجولان، وطالبت بنزع السلاح من مناطق واسعة جنوب دمشق وربطت أي اتفاق بضمانات تتجاوز صيغة 1974.
تنقل هذه المقاربة خط الدفاع إلى عمق الأراضي السورية، وتجعل التقدير “الإسرائيلي” للخطر معيارا لحجم الانتشار السوري وطبيعته.
الانتهاكات “الإسرائيلية” تحمل تناقضا عمليا، فالتوغلات تضعف قدرة الحكومة السورية على تثبيت سلطتها، وتولد غضبا تستطيع جماعات مسلحة استثماره، فيتحول الإجراء الهادف إلى منع التهديد إلى عامل يساعد على إنتاج بيئة أكثر عداء.
كما يمنح خصوم التفاوض حجة تقول إن التهدئة لا تستعيد الأرض ولا تحمي المدنيين، ما يرفع الكلفة السياسية التي تدفعها سلطة دمشق مقابل ضبط الجبهة. اذا قررت ذلك!
دمشق تفاوض من موقع غير متكافئ
قدمت الحكومة السورية مطالبتها بالانسحاب إلى خطوط ما قبل 8 كانون الأول 2024 بوصفها جزءا من عقيدة جديدة ترفض “الصراعات العقيمة” وتقدم التفاوض والتنمية على الحرب.
يبقى التحول ضمن خطاب غير مكتمل ما دام عاجزا عن وقف التوغلات أو فرض جدول للانسحاب، حيث تقاس جدية العقيدة الجديدة بقدرتها على تحويل ضبط النفس إلى مكاسب سيادية، لا بمجرد إعلان القطيعة مع الماضي.
عمليا استؤنفت محادثات بوساطة أميركية في كانون الثاني 2026، وركز الموقف السوري على إحياء اتفاق 1974 ووقف الغارات وضمان السيادة، بينما ربطت “إسرائيل” الاتفاق بنزع السلاح وحماية الأقليات، من دون التزام علني بالانسحاب الكامل.
اختارت سلطة دمشق بعد سقوط النظام الخروج من موقع المقاومة مع تقديم تطمينات بأن سوريا لن تكون مصدر تهديد لجيرانها، وشكل هذا التحول قطيعة مع مراحل الصراع دون بديل يحمي السيادة، والمفارقة أن عقيدة تجنب الحرب لم تقترن باستراتيجية لصناعة التوازن؛ فخرجت سوريا من المحور القديم من دون أن تدخل ترتيبا إقليميا جديدا، وأصبحت تعتمد على قوى تريد استقرارها لكنها لا تتحمل كلفة حمايته.
يهدد هذا التموضع بتحويل دمشق من طرف يشارك في صياغة النظام الإقليمي إلى دولة تنتظر الشروط التي يضعها الآخرون، بينما يتحول الوقت بالنسبة لـ”إسرائيل” إلى جزء من المعادلة، لأن استمرار الوجود يحول الاستثناء إلى ممارسة مألوفة ويزيد كلفة العودة إلى الخطوط السابقة.
من السيطرة على الأرض إلى ضبط وظيفة الدولة
تتجه الأزمة نحو صيغة هجينة تجمع انسحابا “إسرائيليا” من بعض المواقع مع بقاء الوظيفة السياسية التي حققها التوغل.
تستطيع “إسرائيل” السماح بعودة “أندوف” وإخلاء نقاط محددة، ثم تحتفظ عبر الترتيبات الأمنية بحق الاعتراض على انتشار الجيش السوري ونوعية سلاحه ومنشآته قرب الجولان، تستعيد سلطة دمشق عندئذ جزءا من الأرض، بينما يبقى استخدامها السيادي خاضعا لتعريف “إسرائيلي” متغير لمفهوم التهديد.
ينتقل مركز الصراع وفق هذه الآلية من سؤال مكان تمركز الجنود “الإسرائيليين” إلى من يقرر ما يحق للدولة السورية فعله داخل حدودها؟
يؤدي منح “إسرائيل” حرية التدخل استنادا إلى تقديرها الأمني المنفرد إلى تغيير وظيفة اتفاق 1974، من فصل متبادل بين قوتين إلى نظام يراقب حركة طرف واحد ويمنح الطرف الآخر حق التقدير والتنفيذ، فيصبح الانسحاب العسكري عندها وسيلة لتقليل كلفة السيطرة بدل إنهائها.
تكشف هذه الصيغة ثغرة في التموضع السوري، فسلطة دمشق تريد شرعية لها واستمرارا لوجودها اختارت التهدئة والانفتاح الدولي بحجة إخراج البلاد من صراعات المحاور، لكنها قدمت الاستقرار بوصفه مدخلها الأساسي إلى الشرعية الخارجية قبل أن تحدد الثمن السيادي الذي ترفض دفعه.
يمنح هذا الترتيب الوسطاء مساحة لإنتاج هدوء قابل للإدارة، حتى لو قام على تقييد الدولة السورية، بدل إلزام “إسرائيل” بالعودة الكاملة إلى قواعد الاتفاق.
وتقاس نتيجة هذا التموضع السوري بثلاثة مؤشرات، فأولا الجهة التي تقرر انتشار الجيش السوري، ثم حدود حرية “إسرائيل” في العودة إلى التوغل، وأخيرا وظيفة “أندوف” بين مراقبة الطرفين أو مراقبة سلطة دمشق وحدها.
تكشف هذه المؤشرات إن كان الجنوب يستعيد قواعد 1974، أم ينتقل إلى سيادة مشروطة تعيد الأرض إداريا وتبقي القرار الأمني خارجها.
القنيطرة تختبر معنى الاتفاق
تظهر القنيطرة أن الاتفاق الدولي يعيش بوجود أطراف تحترمه وآلية تجعل خرقه مكلفا.
حافظ اتفاق 1974 على الهدوء لأنه ربط الخطوط العسكرية بقنوات اتصال وتوازن ردع وقبول متبادل، وأبقى انهيار هذا التوازن الشكل القانوني وأفرغ جزءا من مضمونه.
تتطلب استعادة فاعلية اتفاق 1974 إخضاع الواقع الميداني من جديد للخطوط والقيود التي رسمها، بدل إبقاء نصه مرجعية تفاوضية منفصلة عن الجغرافيا.
يقلب استمرار التوغلات تحت سقف مفاوضات مفتوحة وظيفة منطقة الفصل، من قيد متبادل على استخدام القوة إلى إطار يدير تفوق طرف واحد، ويحول الاتفاق من ضمانة لمنع الاحتكاك إلى وسيلة لتأجيل حسم السيادة.
القنيطرة وأزمة اتفاق 1974
من خط الفصل إلى أرض مفتوحة: تحليل تفاعلي للجبهة الجنوبية السورية

