في المراحل الانتقالية، تميل الدول إلى الاعتقاد أن المشكلات الكبرى تبدأ من الدستور، أو من شكل النظام السياسي، أو من توزيع السلطة في المركز، لكن الخبرة المقارنة تقول شيئا آخر، فاختبار الدولة الحقيقي يبدأ غالبا من الملفات اليومية التي تمسّ علاقة المواطن المباشرة بالقانون.
في سوريا ما بعد سقوط النظام السابق، لا تمثل أزمة الاستيلاء على المساكن في حمص مجرد ملف حقوقي أو أمني محدود، بل تكشف، على نحو بالغ الوضوح، صورة أوسع للسياسات العامة التي أخذت تتشكل في البلد؛ سياسة انتقال بلا عدالة انتقالية ، وأمن بلا ضبط مؤسسي راسخ، وقانون يتحرك متأخرا خلف الوقائع بدلا من أن يسبقها.
لا ينبغي النظر إلى حمص باعتبارها استثناء، بل نموذجا مكثفا، فالمدينة، بما تحمله من إرث ثقيل من الحرب والانقسام الطائفي، والتهجير والدمار العمراني، تقدم مختبرا مبكرا لفهم الطريقة التي تدار بها سوريا الجديدة.
وإذا كانت السياسة العامة هي، في جوهرها، ترجمة أولويات الدولة إلى قواعد وإجراءات وآليات إنفاذ، فإن ما جرى في ملف العقارات بحمص يكشف أن السلطة الانتقالية لم تنجح في تحويل شرعيتها السياسية إلى شرعية مؤسسية.
المشكلة ليست في العقار فقط، بل في طبيعة الدولة الناشئة
المعطيات المتاحة تشير إلى ثلاثة أنماط من الانتهاكات: مصادرات عقابية نفذتها جهات أمنية من دون إطار قانوني واضح؛ استيلاءات فردية مارسها عناصر في الأمن أو التشكيلات المسلحة الجديدة؛ واعتداءات قام بها مدنيون مسلحون أو شبكات محلية مستفيدة من الفوضى.
يبدو هذا التصنيف تفصيلا تقنيا، لكنه في الحقيقة بالغ الأهمية، حيث يبيّن أن الخلل ليس محصورا في “تجاوزات أفراد”، ولا في قرار حكومي واحد، بل في تراكب ثلاث طبقات من العطب؛ ضعف القاعدة القانونية، وهشاشة سلسلة القيادة، وانخفاض كلفة الإفلات من العقاب.
في النظم المستقرة، يفترض أن تكون الملكية الخاصة من أوضح الحقوق وأقلها التباسا، أما في النظم الخارجة من الحرب، فإن الملكية تتحول سريعا إلى ساحة اشتباك بين السياسة والأمن والمجتمع، وهذا ما حدث في حمص، فالعقار لم يعد مجرد أصل اقتصادي أو مأوى عائلي، بل صار أداة لإعادة توزيع القوة، فالدولة الجديدة لم تحسم بعد هل هي بصدد تأسيس نظام قانوني محايد، أم أنها تدير مرحلة انتصار سياسي بلغة الغلبة، مع بعض محاولات الضبط اللاحقة.
العدالة الانتقالية الغائبة تفتح الباب للعدالة الانتقائية
أحد أهم دروس التحولات السياسية في العالم هو أن غياب العدالة الانتقالية لا ينتج فراغا محايدا، بل بدائل مرتجلة من الثأر الاجتماعي، والتسويات غير الرسمية، والمصادرات المقنعة بخطاب أخلاقي، فما حدث، وفق المعطيات، أقرب إلى الإدارة الأمنية للمسألة.
عندما تتحول قضية حقوق إلى ملف أمني، يصبح القرار خاضعاً للتقدير الشخصي، وتتراجع القابلية للتنبؤ، ويحل منطق “الملاءمة” محل منطق “المشروعية”، فيصبح من السهل أن تُقدم مصادرة منزل ما بوصفها إجراءً ضد “رمز من رموز النظام السابق”، بينما يُفتح في الواقع باب واسع للتوسع العشوائي، ولسوء استخدام السلطة، ولإرسال رسائل جماعية إلى أحياء كاملة.
هنا لا تغيب العدالة فقط، بل يتغير معناها، فهي لا تعود عملية علنية تقوم على الإثبات والتقاضي، بل انطباعا أمنيا يتخذ شكل قرار نافذ.
حمص تكشف حدود المقاربة الأمنية
ثمة ميل شائع في المراحل الانتقالية إلى الاعتقاد بأن الأمن يسبق السياسة، وأن ضبط الشارع يكفي لتثبيت الدولة، غير أن حالة حمص توضح محدودية هذه المقاربة، فمن دون مؤسسات إنفاذ منضبطة، وقضاء قادر، وتعريف واضح للصلاحيات، لا ينتج الأمن استقرارا، بل تفاوتا في السيطرة، فبعض المناطق تبدو أكثر خضوعا للدولة، فيما تبقى مناطق أخرى عرضة لسلطة هجينة تجمع بين الرسمي وغير الرسمي.
هذا ما يظهر في التفاوت بين الحالات، فبعض الشكاوى أعادت العقار إلى أصحابه، وبعضها انتهى إلى عقد إيجار قسري، وبعضها توقفت فيه المطالبة بسبب التهديد، وبعضها لم يسفر عن شيء، فمن منظور السياسات العامة، هذه ليست مجرد نتائج مختلفة، بل هي علامة على غياب المعيار، والمشكلة في غياب المعيار ليست فقط أنه يظلم الأفراد، بل يدمر ثقة المجتمع بقدرة الدولة على التنبؤ والإنصاف.
الدولة الحديثة لا تقاس فقط بقدرتها على استخدام القوة، بل بقدرتها على تقنين استخدامها، وحين يعجز المواطن عن معرفة ما إذا كانت قضيته ستحل بالقانون، أو بالوساطة، أو بالخوف، أو بالانتماء، فإن الدولة تخفق في إحدى وظائفها الأساسية وتحويل السلطة إلى قواعد عامة.
البعد الطائفي ليس عرضا جانبيا بل جزء من بنية الأزمة
من السذاجة تحليل ما يحدث في حمص كأنه نزاع عقاري محض، فالتوزع غير المتكافئ للانتهاكات، كما تشير الشهادات، يضع البعد الطائفي في قلب المسألة، وهذا لا يعني أن كل حالة يحكمها دافع طائفي مباشر، لكنه يعني أن البيئة التي سمحت بهذه الانتهاكات كانت مشبعة بتصنيفات الهوية، وأن بعض الفئات كانت أضعف حماية من غيرها.
في السياسة العامة، لا يظهر التمييز دائماً في النصوص، فأحيانا يتجلى في أنماط التطبيق، فإذا كانت فئة اجتماعية بعينها أكثر عرضة لفقدان ملكيتها، وأكثر خوفا من تقديم شكوى، وأقل قدرة على الوصول إلى الإنصاف، فإن الدولة تنتج تفاوتا، وأحيانا عن قصد، في المواطنة حتى لو لم تعلنه، وهذه واحدة من أخطر المشكلات التي تواجه سوريا الجديدة: هل تستطيع الانتقال من إدارة السكان عبر الهويات إلى إدارة الحقوق عبر المؤسسات؟
إذا لم يحدث ذلك، فإن ملف العقارات لن يبقى مسألة سكن، بل سيتحول إلى أداة لإعادة تشكيل الديموغرافيا المحلية تحت ضغط الخوف والسوق والتهديد، وهذا ما يمكن وصفه، بلغة السياسات العامة، بأنه “تهجير منخفض الكلفة سياسيا”، فلا قرارات رسمية بالطرد، بل بيئة تجعل البقاء عبئا والرحيل خيارا قسريا.
التأخر المؤسسي: حين تأتي الدولة بعد أن تكون الوقائع ترسخت
تشير المعطيات إلى تطور لاحق في عمل الدولة، من خلال إنشاء لجان “الغصب البيّن”، وصدور قرارات وتنظيمات لمعالجة بعض النزاعات العقارية، يمكن ان تكون خطوة لحل بعض الاشكالات، لكنها بالواقع تكشف المشكلة البنيوية، فالدولة بدأت بدعوى المأسسة بعد أن تراكم الوقائع، فلم تمنع الفوضى، بل جاءت بحجة تنظيم آثارها.
هذا النمط يحمل كلفة عالية، فكلما تأخر الإطار المؤسسي، ترسخت مصالح المستفيدين من الفوضى، وتعقدت سلاسل البيوع، وتداخلت المظالم القديمة بالجديدة، فلا يعود الإصلاح القانوني مجرد مسألة نصوص، بل يصبح نزاعا سياسيا مع شبكات نفوذ وُلدت في المرحلة الانتقالية نفسها.
الأرقام المتصلة بالشكاوى، وقرارات إزالة الغصب، والتسويات، والطلبات المحالة إلى القضاء، تقول بوضوح إن الدولة تواجه كتلة ضخمة من النزاعات تتجاوز القدرة التقليدية للإدارة المحلية، وهذا دليل على أن ملف الملكية لم يتعامل معه منذ البداية كأولوية تأسيسية، بل كأزمة متأخرة.
ما الذي تقوله حمص عن سوريا؟
تقول حمص إن الدولة السورية بعد سقوط النظام السابق أن مؤسساتها تتحرك، لكنها لم تحسم بعد علاقتها بالأمن، ولا قدرتها على ضبط الفاعلين المسلحين المرتبطين بها أو المستفيدين من ظلها، وأن بناء النظام الجديد لا يقاس بمن اعتُقل من رموز الماضي، بل بمن استعاد بيته من دون خوف.
أهمية ملف العقارات في أنه يختصر أسئلة سوريا الكبرى: من يملك حق الفصل؟ من يضمن الإنصاف؟ هل تُبنى الدولة على الحقوق الفردية أم على موازين القوى؟ وهل الانتقال الجاري هو انتقال من نظام استبدادي إلى نظام قانوني، أم مجرد انتقال إلى تعددية مضطربة في استخدام القوة؟
هذه ليست أسئلة تظهر يوميا، ويجيب عنها الناس حين يقررون البقاء أو الرحيل، والشكوى أو الصمت، والبيع أو التمسك بما تبقى، وإذا أرادت سوريا الجديدة أن تُقاس كدولة لا كسلطة، فإن البداية ليست من الخطاب السياسي، بل من هذه المسائل التي تبدو صغيرة ظاهريا من بيت، وقفل وسند ملكية، ومواطن يريد أن يعرف إن كان القانون أقوى من المسلح، وهي الاختبار الحقيقي لأي نظام سياسي يولد من ركام سلفه.
البيانات من موقع الجمهورية.نت
انتهاكات الملكية العقارية في حمص
| الحي | نوع العقار | نوع الاستيلاء | الجهة المنفذة | المآل |
|---|---|---|---|---|
| ضاحية الوليد | منزل | مصادرة عقابية | هيئة تحرير الشام | بقاء المستولي |
| الوعر | شقة | مصادرة رسمية | الأمن العام | إسكان أمني |
| النزهة | منزل | استيلاء فردي | عنصر هـ.الشام | بقاء المستولي |
| الوعر | بناء سكني | استيلاء فردي | عنصر فصيل مسلح | لم تُحل |
| الأوراس | شقة | استيلاء فردي | مسؤول أمني | إيجار قسري |
| مساكن الادخار | شقة | استيلاء فردي | عنصران مسلحان | إعادة العقار |
| الأوراس | عدة منازل | استيلاء مدني | مدنيون مسلحون | استمرار الاستيلاء |
| المؤشر | القيمة |
|---|---|
| قرارات إزالة الغصب | 131 |
| التسويات الرضائية | 270 |
| طلبات رفضت قضائياً | 560 |
| طلبات لجنة الغصب البيّن | 1579 |
| ضحايا قتل مرتبط بالعقار (في العينة) | 2 |
ثلاث ظواهر بنيوية يكشفها التحقيق:
1️⃣ انهيار الضبط القانوني في المرحلة الانتقالية: 22 حالة استيلاء من أصل 30 لم تؤدِ لاستعادة العقار (أكثر من 73%).
2️⃣ تداخل العدالة الانتقالية مع العدالة الانتقامية: استهداف واضح للموالين السابقين وذوي الخلفيات المرتبطة بالنظام (حالات 1,3,4,9).
3️⃣ تحول العقار إلى مورد صراع سياسي وطائفي: تركز الانتهاكات في أحياء مختلطة أو ذات أغلبية علوية (الوعر، الأوراس، الورود).

