إعادة إعمار سوريا.. دمشق تفتح أبوابها للعالم والإقليم يرفع الفاتورة

في المظهر السياسي بدت دمشق خلال الأسبوع الأول من أيلول 2026 تستعيد موقعها السياسي وسط تحركات دبلوماسية تتجه نحو سوريا.

الأخبار ركزت على وفد أوروبي يناقش الاستثمار، ومسؤولون ورجال أعمال ألمان يجلسون مع الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، والسفارة الدنماركية تعود إلى العمل بعد إغلاق دام 14 عاماً.

وفي نيويورك، كانت الأمم المتحدة تسجل أول عملية موثقة منذ عام 2014 لتدمير ذخائر كيميائية عُثر عليها ضمن مخلفات النظام السابق.

خارج قاعات الاجتماعات، كانت صورة المنطقة قاتمة، فأربع سفن سلع فقط عبرت مضيق هرمز في الثالث من أيلول، فيما عادت الولايات المتحدة وإيران إلى تبادل الضربات، وإلى الغرب، لم تهدأ جبهة جنوب لبنان، بينما واصلت “إسرائيل” عملياتها داخل سوريا.

تلتقي هذه الأخبار عند سؤال واحد، فهل يكفي خروج سوريا من العزلة كي تبدأ إعادة الإعمار، أم أن الحرب المحيطة بها ستلتهم المكاسب قبل تحولها إلى اقتصاد يعمل؟

الاعتراف السياسي يسبق المال

عمليا حدث تغير حقيقي في علاقة سلطة دمشق بالخارج، حتى مع عدم حدوث تحول حقيقي في الداخل السوري.

في أيار عقد الاتحاد الأوروبي أول حوار سياسي رفيع المستوى مع الحكومة السورية، وأعاد العمل الكامل باتفاقية التعاون المعلقة جزئياً منذ 2011، كما خصص 620 مليون يورو لعامي 2026 و2027 للمساعدات والتعافي الاقتصادي والاجتماعي.

هذه الخطوات لا تعني تطبيعاً دبلوماسياً فقط؛ فهي تمنح المصارف والشركات إشارة بأن التعامل مع سوريا لم يعد نشاطاً سياسياً وقانونياً بالغ الخطورة كما كان قبل عامين.

ينطبق الأمر أيضا على المؤسسات المالية، حيث عاد صندوق النقد إلى دمشق، ووافق البنك الدولي على منحة قدرها 100 مليون دولار لتحديث القطاع المالي، ثم جاءت أولى المعاملات الدولية لشركتي “فيزا” و”ماستركارد”.

صورة الرئيس السوري وهو يدفع ببطاقة مصرفية في مطعم بدمشق لا تعني أن النظام المصرفي السوري أصبح طبيعياً بين ليلة وضحاها، وهنا يقع أول التباس في قراءة الانفتاح السوري، فأصبح الباب مفتوحاً، وهذا مهم، لكن فتحه يختلف عن دخول رأس المال منه.

مليارات معلنة… ومشروعات تنتظر

وقعت سوريا اتفاقات بمليارات الدولارات في قطاعات المطارات والاتصالات والطاقة والنقل والعقارات.

إحدى الحزم المعلنة بلغت قيمتها 14 مليار دولار، وشملت مطاراً جديداً في دمشق ومترو للعاصمة ومشروعات عقارية، إضافة إلى استثمارات سعودية كبيرة أُعلن عنها في وقت سابق.

هذه الأرقام مغرية، لكن الاتفاق الموقع يكون أحيانا عقداً نافذاً، وفي أكثر الأحوال مذكرة تفاهم تنتظر التمويل والأرض والتراخيص، وحتى المشروع الجاهز للتنفيذ يحتاج إلى مصرف يحول الأموال، وشركة تؤمن المعدات، وقضاء قادر على الفصل في النزاعات، فقياس التعافي في قياس عدد الورش التي بدأت العمل وحجم الأموال المدفوعة، لا بمجموع الأرقام التي ظهرت في حفلات التوقيع.

وضع البنك الدولي تقديراً محافظاً لإعادة الإعمار عند 216 مليار دولار، منها 82 ملياراً للبنية التحتية و75 ملياراً للمساكن، وهذا الرقم يقارب عشرة أضعاف الناتج السوري المقدر لعام 2024.

على أرض الواقع، يتبع رأس المال فرص الربح والقدرة على حماية الاستثمار، ويُرجح أن تتجه التدفقات أولاً إلى المناطق الأكثر استقراراً والأقدر على استضافة الأعمال، بينما تتأخر المحافظات التي تجمع بين الدمار وضعف الإدارة وارتفاع المخاطر.

يرسخ هذا الاتجاه مع الزمن اقتصاداً بسرعتين ويعمق الفجوة بين المركز والأطراف، فتُعيد عملية الإعمار إنتاج بعض الاختلالات التي كان يفترض أن تعالجها.

كيف يصل هرمز إلى سوريا؟

لا تمر الطرق السورية عبر مضيق هرمز، لكن أسعار إعادة الإعمار تمر به بصورة أو بأخرى.

قبل اندلاع الحرب الإيرانية، كان نحو 125 سفينة تجارية كبيرة تعبر المضيق يومياً، وفي الثالث من أيلول، أظهرت بيانات تتبع السفن عبور أربع سفن سلع فقط، مقابل متوسط يقارب 15 خلال الأيام العشرة السابقة، وتزامن ذلك مع ارتفاع النفط وعودة المخاوف على الإمدادات. رويترز

تصل أزمة هرمز إلى سوريا عبر الأسعار، حتى عندما لا تمر الواردات السورية بالمضيق، فارتفاع النفط يزيد كلفة التشغيل والنقل، واضطراب الشحن والتأمين يرفع ثمن المعدات ومواد البناء المستوردة.

في مشروع ذي ميزانية محددة، تعني هذه الزيادات تقليص حجم الأعمال أو تأجيل مراحل كاملة من التنفيذ، كما تسعّر المصارف وشركات التأمين الخطر على مستوى الإقليم، فتجد سوريا نفسها تدفع جزءاً من كلفة حرب لا تشارك فيها.

تُكسب اضطرابات هرمز سوريا أهمية محتملة كممر بديل للطاقة والتجارة باتجاه المتوسط، لكن تحويل الموقع الجغرافي إلى فوائد اقتصادية يرتبط بتوافر بنية تحتية فعالة، واتفاقات طويلة الأجل، وحدود يمكن حمايتها.

وفق الواقع السوري الحالي تصبح البلاد جزءاً من التنافس على الممرات بدلاً من أن تستفيد منها، وتتحول ميزتها الجغرافية إلى مصدر إضافي للمخاطر.

لبنان و”إسرائيل” يقتربان من حسابات المستثمر

يصعب عزل التعافي السوري عن لبنان، فبين البلدين حدود بطول 375 كيلومتراً، واستخدمت الشركات السورية لبنان منفذاً للتصدير، فيما اعتمد التجار اللبنانيون على الأراضي السورية للوصول إلى الأردن والخليج، ورغم ذلك، تراجع حجم التبادل من نحو 800 مليون دولار في ذروته إلى قرابة 250 مليوناً خلال 2025.

استمرار الحرب في جنوب لبنان يقيّد فرص استعادة العلاقات الاقتصادية مع سوريا، فبلد مهدد بانكماش يتراوح بين 7 و10% خلال 2026، وبأضرار تصل إلى 20 مليار دولار، سيضطر إلى توجيه موارده نحو احتواء أزمته الداخلية.

أما العمليات “الإسرائيلية” داخل سوريا فتطرح مشكلة أكثر مباشرة، فتم قصف مطار أبو الظهور العسكري، ونفذت ضربة قرب بيت جن، وما زالت “قوات إسرائيلية” تعمل في الجنوب وتسيطر على أراضٍ استولت عليها بعد سقوط النظام السابق.

حين يصبح تطوير مطار أو منشأة عسكرية قابلاً لأن يُفسر بوصفه تموضعاً تركياً يستدعي رداً “إسرائيلياً”، تتداخل البنية التحتية مع الصراع الإقليمي.

المستثمر الذي يدرس محطة كهرباء أو طريقاً أو مستودعاً لا يسأل عن الجدوى الاقتصادية فقط؛ يسأل أيضاً عمن يستطيع حمايته، وما إذا كانت منشأته تتحول لاحقاً إلى هدف.

الخارج ليس التفسير الوحيد

أوروبا تريد سوريا مستقرة تخفف ضغط اللجوء والتهريب، ودول الخليج ترى سوقاً جديدة وفرصة لاستعادة نفوذها، وربما ممراً نحو المتوسط. لكنها لا تقدم مظلة أمنية لسوريا، فتستطيع تمويل مؤسسة أو مشروع، لكنها لا تضمن المجال الجوي أو إنهاء الحرب في لبنان وهرمز.

في المقابل، سيكون من السهل على سلطة دمشق تعليق كل تعثر على الخارج، فالمخاطر الإقليمية حقيقية، لكنها لا تفسر غموض العقود أو بطء القضاء أو خلافات الملكية أو ضعف الرقابة المصرفية، ولا تفسر اختيار مشروعات ذات طابع استعراضي على حساب الخدمات الأساسية.

تستطيع الحكومة السورية التأثير في هذه الملفات، حتى إن كانت عاجزة عن وقف ضربة “إسرائيلية” أو فتح مضيق هرمز.

خلال العامين المقبلين، يبدو التعافي غير المتساوي هو الاحتمال الأقرب، فستتقدم المدفوعات والاتصالات وبعض المطارات ومشروعات الطاقة، بينما تبقى المناطق الأشد تضرراً خلفها.

خرجت سوريا من عزلتها جزئيا، لكن الاعتراف الدولي لا يبني منزلاً ولا يحمي محطة كهرباء، فالامتحان الفعلي يبدأ من حركة الأموال، وتكلفة التأمين، وعودة المصارف، وعدد المشروعات التي تتجاوز دمشق إلى المحافظات.

دمشق تفتح أبوابها للعالم… والإقليم يرفع فاتورة الإعمار

216
مليار $ تقدير إعادة الإعمار
125
سفينة/يومياً (هرمز قبل الحرب)
4
سفن فقط عبرت هرمز في 3 أيلول
620
مليون € مساعدات أوروبية
14
مليار $ حزم استثمارية معلنة
250
مليون $ التبادل التجاري مع لبنان (2025)

تقدير تكلفة إعادة الإعمار (مليار $)

المصدر: تقديرات البنك الدولي

متوسط عبور السفن التجارية (هرمز)

قبل الحرب – الأيام العشرة السابقة – 3 أيلول 2026

التمويل المعلن (مليار $)

الاتفاقات تشمل مذكرات تفاهم غير ملزمة بالكامل

التبادل التجاري سوريا–لبنان (مليون $)

الذروة التاريخية مقابل العام الماضي

قراءة سريعة

  • الفجوة التمويلية: احتياجات الإعمار (216 مليار $) تفوق بكثير التمويل المعلن (نحو 15 مليار $ من مصادر متعددة، كثير منها مذكرات تفاهم).
  • تأثير هرمز: انهيار حركة الملاحة يرفع تكاليف الشحن والتأمين، ويضغط على ميزانيات المشاريع.
  • التراجع الإقليمي: انكماش التبادل مع لبنان يعكس تداعيات الحرب على الاستقرار الاقتصادي المشترك.
  • التحديات الداخلية: غياب القضاء الفعال، غموض العقود، وضعف الرقابة المصرفية تعيق تحويل الوعود إلى استثمارات فعلية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *