المعبر الذي تجبى عنده الرسوم، والسكة التي تسلكها البضائع، والجامعة التي تخرج موظفي الدولة ليست ملفات تقنية منفصلة؛ إنها أدوات تحدد أين تستقر السلطة في سوريا المقبلة.
ومن هذه الزاوية، تبدو اجتماعات أنقرة أكثر من محاولة لتنسيق ملفات متفرقة؛ فنقلت العلاقة إلى إطار يمس الأمن والاقتصاد والتعليم معا، ويوفر هذا المسار لسلطة دمشق دعما سريعا لإعادة ربط الشمال بالمركز وتنشيط الاقتصاد، لكنه يفتح لأنقرة، في المقابل، أبوابا طويلة الأمد داخل مؤسسات الدولة السورية.
لا تتعلق المسألة بقبول التعاون مع تركيا أو رفضه، الجغرافيا جعلت البلدين متجاورين، والحرب جعلت مصالحهما أكثر تعقيدا، والانهيار السوري منح الطرف الأقوى مساحة أوسع للتأثير، فهل هذه الشراكة ستزيد قدرة سوريا على اتخاذ قرارها، أم ستجعل تعافيها معتمدا على إرادة جار يملك المال والحدود والقوة العسكرية.
الشمال الذي ابتعد عن دمشق
عاش شمال سوريا خلال سنوات الحرب داخل دورة حياة اتجه جزء كبير منها نحو تركيا.
عبرت السلع والمرضى والطلبة الحدود، وارتبطت أعمال ومؤسسات محلية بالاقتصاد التركي، فيما اعتادت جماعات مسلحة وإدارات مدنية التعامل مع أنقرة بوصفها مرجعا أقرب من دمشق، وهذا ما يجعل عودة الشمال إلى الدولة أكثر من مجرد تغيير الأعلام أو أسماء الإدارات.
السوري المقيم هناك يلمس السلطة في الجهة التي تحمي الطريق، وتدفع الراتب، وتعترف بالشهادة، وتضمن وصول الخبز والدواء.
تحتاج سلطة دمشق إلى تفكيك هذا الاعتماد بهدوء، لا إلى كسر الشبكات التي يعيش منها الناس قبل توفير بديل، فتستطيع تركيا تسهيل انتقال المؤسسات والمعابر إلى سلطة الدولة، كما تستطيع الاحتفاظ بتأثيرها من خلال التمويل والتجارة والكوادر التي تدربت داخل منظومتها.
هنا تظهر أولى المخاطر، حيث تمتلك سلطة دمشق الشكل الرسمي للسيادة بينما تبقى الوظائف الفعلية للدولة مرتبطة بأنقرة.
السكة التي تعيد رسم الاقتصاد
يمنح مشروع السكك بين تركيا وسوريا والأردن والسعودية السوريين فرصة حقيقية لاستعادة موقع بلادهم بين الأناضول والخليج.
يحتاج البلد إلى طرق تعمل ومنافذ تصدير ووظائف في النقل والخدمات، بعد أن تحولت الجغرافيا السورية من مصدر قوة إلى سلسلة من الحواجز، وتعيد الوصلات المتوقفة عند ميدان إكبس والراعي، إلى جانب الخط الحجازي، حركة انقطعت منذ سنوات.
يحمل المشروع أيضا خطرا مختلفا، فإذا مرت البضائع عبر سوريا دون أن تنشأ حولها صناعة وظنية أو مراكز تشغيل محلية؛ تتحول البلاد إلى مساحة عبور لتحصيل رسوم محدودة، بينما تتركز القيمة الأكبر عند طرفي الممر.
يتوقف الفرق بين الاحتمالين على شروط التمويل وملكية الأصول وحصة الشركات السورية، وهي تفاصيل أهم من الاحتفال بوصول أول قطار.
السلاح: أي دولة ستخرج من الدمج؟
يجمع سلطة دمشق وأنقرة اتفاق معلن على حصر السلاح بيد الدولة، وكل منهما ينظر إلى الهدف من نافذة مختلفة.
تريد سلطة دمشق إنهاء تعدد السلطات العسكرية، بينما تركز تركيا على تفكيك البنية المسلحة لـ”قسد” بسبب صلتها، حسب ادعائها، بحزب العمال الكردستاني، ويتيح تقاطع المصالح دفع عملية الدمج، لكنه يجعل بناء الجيش السوري خاضعا لأولويات الأمن التركي إذا غاب معيار وطني يشمل الجميع.
يتطلب الاندماج الحقيقي نقل القرار والولاء من الجماعات المسلحة إلى المؤسسة الوطنية، ويقتضي ذلك إخضاع الفصائل المدعومة من تركيا و”قسد” لمركز قيادة وقواعد مساءلة واحدة.
إذا تفاوتت الشروط بحسب هوية الفصيل أو الجهة الداعمة، انتقل الانقسام إلى داخل وزارة الدفاع، وبقي السوريون أمام قوى تحمل اسما رسميا وتحتفظ بشبكاتها القديمة.
اقتصاد منهك أمام جار أقوى
تملك تركيا ما تحتاج إليه سوريا الآن من سوق قريبة، وشركات قادرة على التنفيذ، وخبرة في إدارة المعابر والنقل، وإمكانات تمويل لا تتوافر سريعا في الداخل.
يستطيع هذا القرب خفض كلفة الإعمار وإعادة المصانع إلى العمل وفتح أسواق جديدة للمنتج السوري، لكن الفائدة السريعة تخفي اختلالا واضحا؛ فالمصنع السوري الذي يعمل بكهرباء متقطعة وتمويل محدود لا يستطيع منافسة بضائع تركية جاهزة.
تحمي الشراكة الاقتصاد السوري عندما تربط التجارة بإنتاج محلي وفرص عمل ونقل للخبرة، وعندما تنشر العقود وتعرف كلفة التمويل، أما اتفاقيات السوق المفتوحة التي تسبق إعادة بناء القدرة الإنتاجية، فتجعل سوريا مستهلكا دائما لما ينتجه الجار.
يتحول الاعتماد من حاجة مؤقتة خلال الإعمار إلى بنية يصعب تغييرها بعد استقرار المصالح والشركات.
الجامعة وصناعة النخب
تأتي الجامعة السورية–التركية لتفتح، افتراضيا”، التعاون الأكاديمي مسارا لاستعادة بعض القدرات المفقودة، عبر تحسين الاعتراف بالشهادات وإعادة وصل الباحثين السوريين بالمختبرات وشبكات البحث الحديثة.
تتجاوز الجامعة حدود التدريس، لأنها تسهم في تكوين الموظف والباحث وصاحب القرار المقبل، فالمسألة هي الشراكة المتوازنة في الإدارة والمناهج والاعتماد، وأن تعود الخبرة إلى الداخل بدلا من فتح طريق جديد لهجرة الكفاءات.
يقاس نجاح المشروع بما يضيفه إلى الجامعة السورية، لا بعدد البرامج التي تحمل اسما مشتركا.
بين الضغط الإسرائيلي والحاجة إلى التوازن
تدفع الاعتداءات “الإسرائيلية” في جنوب دمشق إلى التعامل مع تركيا بوصفها ورقة توازن إقليمية تتجاوز ترتيبات الحدود الشمالية.
وتوظف أنقرة هذا الاحتياج في تقديم نفسها مدافعة عن وحدة سوريا وداعية إلى العودة إلى اتفاق فض الاشتباك لعام 1974.
لكن هذا الغطاء السياسي لا يعالج المأزق السيادي؛ فيمكن أن يرسخ خريطة النفوذ الخارجي القائمة بدلا من تقليصها، ويجعل حماية سوريا مرهونة بتوازن بين قوى تعمل داخل أراضيها أو على أطرافها.
تقاس قيمة الشراكة بقدرتها على تعزيز استقلال القرار السوري، فكلما اتسعت شراكات سلطة دمشق العربية والأوروبية وتعزز حضورها داخل المؤسسات الدولية، امتلكت مساحة أكبر للتفاوض مع أنقرة، ومنعت حاجتها الأمنية والاقتصادية من التحول إلى تبعية.
انكماش البدائل يمنح تركيا قدرة أكبر على تثبيت نفوذها داخل مؤسسات الدولة تحت عنوان الشراكة.
اختبار الشراكة
سيظهر المسار المتوازن عندما تصبح الاتفاقيات علنية، وتخضع القوى المسلحة لقواعد واحدة، ويرتبط الاستثمار بتشغيل السوريين وبناء قدرتهم.
أما مسار الاعتماد فسيظهر إذا احتفظت الفصائل بولاءاتها، وسيطرت الشركات التركية على القطاعات المفتوحة، وبقيت سلطة دمشق محتاجة إلى أنقرة لتشغيل ما أنشئ بتمويلها وخبرتها، وقد يتعثر المساران معا إذا اصطدمت عملية دمج “قسد” أو مسألة الوجود العسكري التركي بحسابات لا يستطيع الطرفان تسويتها.
تركيا جار بحكم الجغرافيا والتاريخ، ضروريا وشريكا ممكنا، وليس منقذا يتنازل له عن القرار ولا خصما يمكن تجاهل مصالحه، فتحمي سلطة دمشق سيادتها عندما تستخدم القوة التركية لبناء قوة سورية، لا عندما تستمد وجودها وشرعيتها منها، وستقاس الشراكة بما تعيده إلى مؤسسات الدولة والمجتمع، لا بما تمنحه للمسؤولين من صور واتفاقيات تحمل عناوين كبيرة.
الشراكة السورية–التركية
- + اتفاقيات علنية
- + قوى مسلحة تخضع لقواعد واحدة
- + استثمار مرتبط بتشغيل السوريين
- • بقاء ولاءات الفصائل
- • هيمنة الشركات التركية
- • دمشق بحاجة لأنقرة لتشغيل البنية

