السيادة السورية.. توحيد السلطة وتجزئة المجال

السيادة تبدأ من تفاصيل السيطرة

أعلن بين 25 و28 آب حل قوات سوريا الديمقراطية بصفتها قوة مستقلة، وعين مظلوم عبدي مستشارا للرئاسة، فيما شهدت البلاد أول معاملات دولية عبر بطاقتي “فيزا” و”ماستركارد”.

بدت الخطوات كأنها انتقال متزامن نحو توحيد الدولة وإعادة وصلها بالعالم المالي، لكن قراءة جغرافية للوقائع تذهب أبعد من ذلك، فهل انتقلت السلطة فعلا إلى المؤسسات، أم تغيرت الصيغة التي تدار بها مناطق النفوذ؟

عمليا تتحدد قيمة دمج الشمال الشرقي بقدر ما يحول وحدة الدولة من صيغة قانونية إلى سلطة مؤسسية تحظى بالقبول وتستطيع ممارسة مسؤولياتها، ما يقتضي توحيد قواعد القرار والمساءلة، وربط إدارة الموارد بحقوق السكان ومشاركتهم في الشأن المحلي.

المسألة أعمق من نقل المؤسسات إلى مركز الحكم، فهي اختبار لقدرة الدولة على بناء علاقة سياسية جامعة، تستوعب التعدد وتحد من نشوء مراكز نفوذ موازية، وسيكشف مسار التنفيذ ما إذا كان الدمج يعيد تنظيم هذه العلاقة أم يغير شكلها الإداري فحسب.

هنا لا يكون الشمال الشرقي هامشا إداريا، بل عقدة تربط الحدود بالموارد وبالسكان، فإذا امتلكت سلطة دمشق القرار الأمني من دون قبول محلي أو توزيع واضح للعائدات، فستستعيد السيادة القانونية وتبقى السيطرة اليومية موضع مساومة، وإذا حافظت القيادات المحلية على نفوذها من دون قواعد وطنية مشتركة، فسيستمر تعدد مراكز القرار داخل مؤسسات موحدة اسماً فقط.

 يتحدد شكل الدولة في الحالتين، في العلاقة بين الأرض ومن يسكنها، لا في خريطة المحافظات وحدها.

الجنوب: التفاوض لا يلغي الوقائع الميدانية

 استضاف الأردن في 23 آب محادثات سورية – “إسرائيلية” بوساطة أميركية لخفض التوتر بعد اعتداءات “إسرائيلية”.

لكن وجود قناة تفاوض لم يمنع استمرار التحركات “الإسرائيلية”؛ حيث تم توثيق 182 توغلا في الجنوب خلال تشرين الأول، و13 تحركا في اليومين الأولين من تشرين الثاني، وهذا التباعد بين المسار الدبلوماسي والواقع الميداني يعني أن التفاوض لم ينتج حتى الآن قاعدة مستقرة تضبط الحركة على الأرض.

الجنوب ليس خط تماس فقط، فهو مجال زراعي وسكني، تتأثر فيه حياة السكان بالوصول إلى الأراضي والطرق والمياه، وحين تتكرر الاقتحامات أو القيود، تنخفض قدرة مؤسسات الدولة على حماية الحركة اليومية، حتى إن بقيت حاضرة في المفاوضات، وأي تفاهم أمني لا يختبر ببياناته، بل بقدرته على تغيير ما يستطيع المزارع فعله، وما تستطيع الشرطة المحلية حمايته، وأين تنتهي سلطة كل طرف.

كما كشفت الضربات الأردنية في درعا وسويداء، وبعد تشكيل لجنة أمنية مشتركة وإعادة فتح معبر نصيب، أن الحدود الجنوبية شبكة علاقات متداخلة بين التهريب والمخاوف الأمنية والتجارة وحركة سكان.

إغلاق المعبر، ولو ليوم، يوقف تدفق السلع والمسافرين ويحول قرارا أمنيا إلى كلفة محلية وإقليمية، ولا يكفي وصف التنسيق بأنه تعاون؛ فالسؤال هو من يحقق في الضربات، ومن يحمي المدنيين، ومن يملك قرار استخدام القوة.

الممرات تعيد ترتيب الشراكات

اقتصاديا تمثل معاملات البطاقات الدولية إشارة “رمزية” إلى تخفيف العزلة، ولا تعني عودة النظام المالي بكامل وظائفه؛ فتمويل التجارة والإقراض والتحويلات العابرة للحدود تحتاج علاقات مصرفية وضمانات منفصلة.

كما أن اتفاق إنشاء صندوق للتعافي بإدارة البنك الدولي، أو بحث مشاريع مع شركات صينية، لا يساوي تنفيذ المشاريع، فالفارق بين الإعلان والتنفيذ يتوقف على القانون والبيانات والقدرة على ضمان العقود ومراقبة الأموال.

الأهم هو موقع هذه المشاريع، فإعادة تأهيل خط النفط بين العراق وبانياس، إذا تحققت، لن تكون مسألة أنابيب فحسب؛ إنها تعيد وصل إنتاج العراق بميناء على المتوسط، وتمنح سوريا دور عبور ومفاوضة.

غير أن الممر يعزز مركزية سلطة دمشق من دون أن ينعش المناطق التي يمر بها، خصوصا إذا بقيت المجتمعات المحلية خارج عائداته وفرص العمل فيه.

لا تقاس قيمة الطريق بطوله، بل بمن يتحكم بعقده، ومن يجبي رسومه، ومن يتحمل مخاطره.

توقع مشروط: دولة الممرات أم دولة المؤسسات؟

الأرجح خلال العام المقبل أن تتقدم مشاريع محددة في الطاقة والنقل قبل اكتمال توحيد المؤسسات؛ فالممرات أسهل في التفاوض من تقاسم السلطة، ويمكن تسويقها للشركاء بعائد واضح.

هذا المسار يحمل خطرا، فالدولة تسيطر على البنية العابرة، من دون أن تضمن إدارة عادلة للمناطق التي تنتج الموارد أو تستقبل آثار المشاريع.

المؤشر المبكر سيكون نشر عقود التنفيذ ومصادر التمويل، وإظهار مسار الإيرادات، لا عدد الوفود والاتفاقات.

إذا اقترنت المشاريع بإدارات محلية فاعلة وخدمات ملموسة، فتتحول الطرق والحقول والمعابر إلى شبكة تعيد وصل البلاد، أما إذا تركزت الصلاحيات والعوائد في المركز، سيظل الأمن متفاوتا والتمثيل المحلي محدودا، فستنشأ ممرات اقتصادية فوق مجال سياسي هش.

سيادة سوريا لن تكون بمجرد توحيد أسماء المؤسسات أو فتح قنوات المال، إنما ستظهر عندما يصبح الوصول إلى الأرض والموارد والخدمات محكوما بقواعد معلنة، والقوة المسؤولة عن حماية السكان خاضعة لسلطة يمكن مساءلتها، وهي ما سيحسم إن كان التحول الجاري يبني دولة موحدة، أم يرسم خريطة جديدة للتنافس داخل حدودها.

الأمن والسيادة الاقتصاد والإعمار الدبلوماسية والانفتاح

محطات الفترة كاملة

اختر مرحلة لقراءة التحول الأبرز فيها. المحطات السابقة لتشرين الأول تلخص اتجاهات التقارير، ولا تمثل حصيلة رقمية أسبوعية.

التطورات الرئيسية في الأسابيع الأربعة الأخيرة

الأعداد التالية تخص الفترة من 8 تشرين الأول إلى 4 تشرين الثاني فقط، ولا تتوفر في المادة الحالية حصيلة أسبوعية مماثلة لما قبلها.

اضغط على عمود في الرسم لعرض أبرز تطورات ذلك الأسبوع.

الأرقام تمثل عدد التطورات الرئيسية الواردة في التقارير، ولا تقيس شدة الأحداث أو أثرها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *