العدالة الانتقالية في سوريا بين المحاسبة والانتقام.. مأزق “الفلول” والشارع

ما جرى في إدلب وحماة لا يكشف فقط توترا أمنيا، ولا يمكن وصفه بأنه غضب حقيقي أو مفتعل ضد بقايا النظام السابق، فالمشكلة أخطر من ذلك.

العدالة التي تدار بوصفها حملة باتجاه واحد، من دون قواعد علنية تميز بين المسؤولية الجنائية والانتماء السابق، تفقد معناها الانتقالي وتتحول إلى أداة فرز سياسي واجتماعي، فحين لا يعرف المجتمع على أي أساس يلاحق شخص دون آخر، تختلط صفة “المتورط” و “المنتمي” أو “المتهم دون اثبات” أو “الموظف السابق”، وتتجه لعقاب طرف واحد في الأحداث السورية، صبح القصاص الفردي دون محاكمة مصدر قلق لا مصدر طمأنينة.

المفارقة أن السلطة الجديدة تعلن احتكارها المحاسبة، لكنها لا تحتكر تعريف الجريمة، فتلاحق بعض رموز المنظومة القديمة، وتتناسى أي انتهاكات قامت بها أطراف أخرى، وتترك أيضا هامشا رماديا يسمح للشارع أو للمجموعات المحلية بأن يعرفوا مفهوم “الفلول” وفق منطق الثأر والغضب والخصومات والانطباعات.

بهذه الطريقة، لا تعود العدالة تطبيقا للقانون، بل انتقالا من احتكار الدولة للعقوبة؛ كونها هي الجهة الوحيدة كسلطة لها حق باحتكار العنف حسب تعريف ماكس فيبر، إلى تعدد مراكز العقاب بعد سقوط النظام السابق.

هذا ما يجعل العدالة الانتقائية دون معنى، لا لأنها تستهدف أشخاص من النظام السابق، بل لعدم كشفها بوضوح عن المتورط، ولا تحاسب بالصرامة ذاتها كل من يمارس العنف خارج القانون، أيا تكن صفته أو موقعه أو شعاره.

الدولة الهجينة تنتج عنفا هجينا

في الحالة السورية يظهر الخطر من مرحلة انتقالية ملتبسة تجمع بين حضور الدولة كخطاب وغيابها كمعيار ضابط للسلوك العام.

السلطة الجديدة لم تقدم قواعد قانونية على كامل المجال الاجتماعي والأمني، فأصبحت العدالة الانتقالية مهددة بأن تتحول من مسار قانوني لمحاسبة المسؤولين عن الجرائم إلى أداة فرز سياسي واجتماعي، تستخدم فيها مفردات مثل “الفلول” و”الشبيحة” و”المؤيدين السابقين” خارج أي تعريف قضائي واضح.

ما شهدته إدلب وحماة يكشف أن الخطر لم يعد في الوقائع المنفردة بحد ذاتها، بل في تحولها إلى نمط قابل للتكرار والتوسع، فحين تغيب المعايير القانونية الواضحة، لا تبقى التهمة مرتبطة بفعل جنائي محدد، بل تتمدد لتصبح تصنيفا اجتماعيا وسياسيا عاما.

ينتقل مركز الثقل من سؤال “ماذا فعل هذا الشخص؟” إلى سؤال أخطر “إلى أي طرف كان ينسب؟”، فتستبدل المسؤولية الفردية بالاشتباه الجماعي، ويجعل مصير الأفراد معلقا بذاكرة محلية مشحونة، أو بمزاج جماعة غاضبة، أو بسلطة أمر واقع لا تحتكم إلى ملف قضائي.

حين لا تضع الحكومة حدا فاصلا بين الجريمة والانتماء، وبين المحاسبة والثأر، يصبح المجال مفتوحا لتوسيع دائرة الاستهداف من المتورطين الفعليين إلى كل من يمكن إلصاق صفة غامضة به، وهنا لا تعود العدالة أداة لكشف الحقيقة، بل تتحول إلى آلية فرز وإخضاع، الأخطر أن هذا النمط لا ينتج فقط ضحايا مباشرين، بل يصنع خوفا جماعيا صامتا لدى فئات تشعر أن القانون لا يحميها، وأن الاتهام قد يسبق الدليل، وأن العقوبة قد تأتي قبل التحقيق.

في سوريا يبدأ الانزلاق بحوادث صغيرة تتكرر وتترك من دون ردع كاف، فيأتي رد رسمي عام يدعو إلى ضبط النفس من دون أن يكسر نمط الإفلات، وهذه الحوادث، إذا لم تواجه بقانون صارم وشفاف، تنتج رسالة خطرة بأن الدولة تلاحق من تشاء عبر مؤسساتها، لكنها تسمح ضمنيا لآخرين بأن يلاحقوا من يشاؤون خارج المؤسسات.

لا تبدو الأزمة السورية أزمة غياب دولة فقط، بل دولة هجينة في طور التشكل؛ جزء منها يمارس الاعتقال والتحقيق والإحالة، وجزء آخر يترك هامشا رماديا للشارع والسلاح والخصومات المحلية كي تعرف الجريمة وتحدد العقوبة.

عند هذه النقطة لا يعود العنف رسميا بالكامل ولا أهليا بالكامل، بل يصبح عنفا موزعا بين المؤسسة والمجتمع، فتتحول العدالة الانتقالية من جسر نحو دولة القانون إلى غطاء سياسي لعدالة انتقائية، تضرب بحجة الماضي لكنها تفتح باباً لعنف جديد في الحاضر.

غموض المصطلح واتساع دائرة الاشتباه

خطورة مصطلح “الفلول” أنه لا يعمل كتوصيف قانوني محدد، بل وسم سياسي قابل للتمدد، فلا يحدد فعلا جرميا بعينه، ولا يميز بين المسؤولية المباشرة والانتماء السابق، ولا بين من امتلك قرار العنف ومن وجد نفسه داخل بنية الدولة بحكم الوظيفة.

حين يترك المصطلح بلا ضبط قضائي، يتحول من أداة لتسمية المتورطين إلى مظلة اتهام واسعة، يمكن أن تستخدم لتصفية الحسابات، أو لإعادة إنتاج الخوف، أو لنقل الصراع من مستوى المحاسبة الفردية إلى مستوى الاشتباه الجماعي.

المصطلح وفق هذه الصورة يمنح الغضب لغة جاهزة، ويمنح السلطة هامشا للانتقائية، ويمنح الشارع حقا غير معلن في إنتاج متهمين قبل أن تقول المؤسسة القضائية كلمتها.

الاعتقال الرسمي لا يبرر العقاب غير الرسمي

وجود معتقلين من صفوف النظام السابق لا يعني أن العدالة الانتقالية تعمل بصورة سليمة، فالدولة تعتقل الآلاف وتبقى العدالة مختلة إذا لم تكن إجراءاتها شفافة، وإذا لم تشمل الانتهاكات الجديدة، وإذا لم تمنع العقاب الموازي في الشارع.

لا تظهر السلطة حسما عندما يضرب شخص بتهمة “الخدمة الإلزامية” أو عندما تخرج مجموعات في حماة مهددة بالقتل والتصفية، أو عندما تتردد أسماء عناصر محسوبين على مؤسسات جديدة في اعتداءات محلية.

الانتقائية هنا قاتلة سياسيا، لأنها تقول للمجتمع إن القانون شديد على المهزوم ومتسامح مع التابعين للسلطة، وهذه عدالة غلبة التي تصنع خوفا مكتوما لدى فئات كاملة، وتمنحها شعورا بأنها بلا حماية.

أمثلة على توسع الاستنساب

حادثة مقتل شخص في إدلب بعد تعذيبه وإصابة آخر في معرة مصرين بتهمة تأدية الخدمة الإلزامية، والتحركات التي شهدتها حماة مع إطلاق تهديدات ضد من كانوا يؤيدون النظام السابق، كلها أمثلة على نمط واحد؛ انتقال المحاسبة من المؤسسة إلى الشارع.

الخطر في إدلب أن يتحول الاتهام إلى عقوبة جسدية قبل التحقيق، وفي معرة مصرين، الخطر أكبر مع روايات عن مشاركة عناصر ذوي صفة رسمية أو شبه رسمية.

في حماة، تتحول المشكلة من حالة فردية إلى ترهيب جماعي، لأن التهديد لا يستهدف شخصا محددا بملف قضائي، بل فئة اجتماعية واسعة، فالعنف لا يبدأ دائما بجيوش متقابلة، بل بحوادث صغيرة متكررة، وبخطاب يبررها، وبسلطة تتأخر في ردعها.

ثلاث ثغرات واضحة

ما نشهده في أداء الحكومة تحمل ثلاث ثغرات أساسية:

  • الأولى غياب التعريف القانوني العلني، فالحكومة تتحدث عن “فلول”، لكنها لم تقدم للرأي العام تصنيفا مقنعا وملزما، هذا الغموض يفتح الباب أمام الاستخدام المحلي للمصطلح في الخصومات الشخصية والعائلية والمناطقية.
  • الثغرة الثانية ضعف الشفافية، فالاعتقال لا يكفي، فالناس يجب أن تعرف مصير الموقوفين والتهم والجهة القضائية المختصة، وحق الدفاع، فالعدالة الانتقالية ليست حملة أمنية طويلة؛ هي مسار قضائي وسياسي ومجتمعي واضح.
  • الأمر الأخير التساهل مع العنف الصادر عن البيئة المنتصرة، فلا معنى لإدانة النظام السابق مع غض النظر عن حالات قتل وعنف ظهرت عند الطرف “المنتصر” سابقا وحاليا، ولا معنى للحديث عن دولة القانون إذا بقي من يهدد أو يعتدي خارج المحاسبة لأنه يرفع شعارا يدين النظام السابق.

لا يجوز أن تتحول سوريا إلى ساحة يقرر فيها المنتصر من هو المواطن ومن هو العدو، وأن تصبح الخدمة الإلزامية تهمة جماعية، أو أن تصبح الذاكرة المحلية بديلا عن التحقيق.

إذا كانت الحكومة تريد عدالة انتقالية فعلية، فعليها أن تسحب ملف “الفلول” من الشارع ومن المزاج، وتضعه أمام قضاء واضح وعلني، أما إذا بقيت العدالة انتقائية، تضرب طرفا حسب توصيفها ومعيارها السلطوي، وتغض النظر عن طرف آخر، فإنها ترسم لسوريا مأساة حقيقية تنهي هويتها وجوهرها ووجودها.

عدالة منتقاة لا انتقالية: لوحة تفاعلية | سوريا

عدالة منتقاة لا انتقالية
حين تترك الحكومة للشارع تعريف “الفلول”

من غموض المصطلح إلى العنف الموزع: ثلاث ثغرات تهدد المسار الانتقالي في سوريا
3
ثغرات أساسية
غياب التعريف · ضعف الشفافية · تساهل مع العنف المنتصر
3
مناطق شهدت عنفاً موزعاً
إدلب · حماة · معرة مصرين
غير محدد
دائرة الاشتباه
من “المتورط” إلى “كل من ينسب للنظام السابق”
0
تعريف قانوني علني
مصطلح “الفلول” دون ضابط قضائي
مؤشرات الفجوة في العدالة الانتقالية (تقدير)
كلما ارتفعت القيمة زادت حدة الفجوة بين المطلوب والواقع
العدالة الانتقالية: المثالية مقابل الانتقائية الحالية
تمثيل ستة معايير جوهرية (كلما اتسعت المساحة كان الأداء أفضل)
أمثلة مباشرة من الميدان (إدلب، حماة، معرة مصرين): وفقاً للمقال، شهدت إدلب مقتل شخص بعد تعذيبه بتهمة “الخدمة الإلزامية”، وفي معرة مصرين إصابة آخر بنفس التهمة، بينما في حماة تهديدات جماعية لمؤيدي النظام السابق. هذه الحالات تعكس تحول المحاسبة من المؤسسة إلى الشارع، واتساع دائرة الاشتباه ليشمل فئات اجتماعية كاملة. الخطر لا يقتصر على الوقائع المنفردة بل تحولها إلى نمط قابل للتكرار.

الخلاصة التحليلية المستخلصة من الرسمين البيانيين: الفجوة الأكبر تكمن في غياب التعريف القانوني العلني لمصطلح “الفلول” (9.5/10) والتساهل مع العنف الصادر عن البيئة المنتصرة (9.2/10). المخطط الراداري يظهر بوضوح أن المسار الحالي (العدالة الانتقائية) يتخلف بشدة عن المسار المثالي في معايير: حماية جميع المواطنين، الشفافية، مساءلة العنف بغض النظر عن الطرف، وضبط المصطلحات. تتحول العدالة الانتقالية إلى غطاء سياسي لفرز اجتماعي، وتنتج دولة هجينة يعيش فيها المواطن بخوف من اتهام غامض.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *