زخم الهجوم يدخل مرحلته الأخطر
تطور اليوم الثاني لحرب تشرين، وحاولت القيادة السورية تحويل الاختراقات التي بدأ إلى ضغط متصل على مركز الثقل “الإسرائيلي” في الجولان في معسكر نفح، حيث تقاطعت طرق الحركة والإمداد، وتمركزت قيادة الجبهة.
أصبحت المسافة التي تقطعها الدبابات عاملا حاسما؛ فكل تقدم باتجاه نفح يهدد قدرة “إسرائيل” على تنظيم دفاعها وإدخال احتياطها إلى القطاعات المهددة.
اكتسب اليوم ثقله من أن الجيش لم يكتف بفتح الثغرات في التحصينات، بل دفع تشكيلات مدرعة إلى عمق الجولان، وأبقى القوات “الإسرائيلية” في حالة استنفار حول مركز قيادتها.
يذكر تقرير استخباري أمريكي رُفع عنه الحظر لاحقا أن التقدم السوري استمر مع بزوغ نهار 7 تشرين، وإن تباطأ، وأن طلائع الفرقة المدرعة الأولى وصلت إلى كفر نفح، وقدّر أن القوات السورية بلغت في ذلك اليوم أعمق نقاط تقدمها على الجبهة، بينما بقي تقدمها في الشمال محدودا.
نفح: هدف جغرافي يتحول إلى تهديد عملياتي
معسكر نفح يقع على تقاطع طريق النفط مع الطريق بين القنيطرة وجسر بنات يعقوب، وكان مقرا للقيادة “الإسرائيلية” في الجولان.
وضعت الخطة السورية السيطرة عليه ضمن مسار التقدم نحو نهر الأردن وقطع خطوط الحركة “الإسرائيلية”، وفي صباح 7 تشرين اقتربت القوات السورية من محيطه إلى درجة دفعت القيادة الإسرائيلية إلى إصدار أمر بإخلائه قرابة 07:30، قبل أن تعود إليه بعد أقل من ساعتين، وهذا القرار يكشف مقدار الضغط الذي ولّده التقدم السوري في الساعات الأولى من النهار.
دفعت سوريا ألوية مدرعة من محاور مختلفة، فتحرك اللواء 51 من جهة حوشنية، واقترب اللواء 91 من الشرق بعد تقدمه عبر محور كودنة.
تقول الرواية الإسرائيلية إن الدبابات السورية وصلت إلى أسوار المعسكر، وإن بعض عناصر القيادة غادرت الموقع أثناء اشتداد القتال، وفي الاشتباكات التي دارت بعد الظهر، قُتل قائد اللواء الإسرائيلي 188 ونائبه وضابط العمليات، ثم تدخلت قوة احتياط من اللواء 679 وهاجمت القوات السورية من الجناح.
استمر القتال حول نفح حتى المساء، وانكسرت الهجمة عند المعسكر، لكن وصول الدبابات السورية إلى محيطه جعل السيطرة على مركز القيادة احتمالا ميدانيا حقيقيا.
من كودنة إلى ممر القنيطرة
على محور آخر، تحرك اللواء السوري 43 شمالا بعد منتصف الليل عبر كودنة، باتجاه القنيطرة ثم نفح.
وحسب “الرواية الإسرائيلية” فإن قوة “تايغر” نصبت له كمينا قرابة الرابعة فجرا، وتدعي الرواية نفسها أن الاشتباك ألحق خسائر كبيرة بالقوة السورية وأوقف تقدمها في هذا المحور.
أثر المعركة لا يختصر في عدد الآليات التي يقال إنها خرجت من القتال، حيث منع الكمين اللواء 43 من تنفيذ الالتفاف المخطط عبر ممر القنيطرة باتجاه نفح، وحمى الجبهة “الإسرائيلية” من تهديد إضافي في ذلك القطاع.
واجه الهجوم السوري مقاومة فعالة على محور واحد، بينما استمر الضغط على محاور أخرى، ولا سيما باتجاه نفح وحوشنية.
تل الفرس: قيمة الموقع تتجاوز مساحته
شكل تل الفرس موقعا مرتفعا يوفر قدرة على مراقبة أجزاء من الجولان وتوجيه نيران المدفعية، وفي صباح 7 تشرين، اشتبكت قوات سورية من اللواء 46 مع وحدة مدفعية “إسرائيلية” قرب التل.
أثار رصد مروحيات سورية في فترة ما بعد الظهر مخاوف “إسرائيلية” من إنزال قوات كوماندوس، وتقول “الرواية الإسرائيلية” إن القصف سبق إخلاء الموقع مساء، قبل أن تسيطر عليه القوات السورية وتستخدمه في أعمال المدفعية.
استعادت “إسرائيل” التل بعد يومين، لكن سيطرة سوريا عليه في 7 تشرين أضافت مكسبا ميدانيا في نقطة مرتفعة ذات قيمة للرصد والنيران.
يظهر هنا أثر الجغرافيا في المعركة، فالسيطرة على موقع مرتفع لا تحسم الجبهة وحدها، لكنها توسع مجال الرصد وتضغط على الحركة في محيطه، وفي يوم كانت فيه القوات السورية تتقدم نحو نفح، منح تل الفرس الهجوم نقطة إضافية تساعد على تثبيت الوجود في الوسط والجنوب الشرقي من الجولان.
الدفاع الجوي يفرض كلفة على سلاح الجو الإسرائيلي
جاء الاختبار الجوي الأبرز في عملية “دوغمان 5 ب” التي هدفت إلى ضرب منظومة الدفاع الجوي السورية في الجولان.
أوقفت “إسرائيل” عملية “تغار” الموجهة ضد الدفاعات المصرية، وحولت جهدها إلى الجبهة السورية مع تدهور الوضع البري، لكن التنفيذ جرى باستعدادات متعجلة ومعلومات غير محدثة عن مواقع البطاريات.
تقول “وزارة الدفاع الإسرائيلية” إن بطاريات “سام 6” السورية المتحركة غادرت مواقعها المعروفة وتقدمت مع القوات البرية، ما جعل قسما كبيرا من الضربات يصيب مواقع خالية.
ووفق حصيلتها، دُمرت بطارية ثابتة واحدة وأصيبت أخرى من أصل 25 بطارية استهدفت في الجولان السوري، بينما أُسقطت ست طائرات وأصيبت عشر، وقُتل طياران وأُسر تسعة من أفراد الأطقم الجوية.
هذه أرقام المصدر “الإسرائيلي” الرسمي، لكنها تقر أيضا بأن منظومة الدفاع الجوي السورية بقيت فاعلة بعد الهجوم، وحد ذلك من قدرة “إسرائيل” على توفير غطاء جوي مريح لقواتها البرية في يوم احتاجت فيه إلى وقف تقدم الدروع السورية.
ما الذي بقي بيد سوريا عند المساء؟
أعلن المتحدث العسكري السوري في بيان بثته إذاعة دمشق عند 02:30 أن القوات البرية تواصل تقدمها وتطهر المواقع من القوات “الإسرائيلية”.
كان ذلك إعلانا حربيا عاما لا يثبت وحده حجم التقدم أو حصيلته.
لكن الوقائع الميدانية التي توردها مصادر أخرى ترسم صورة يوم استمر فيه الضغط السوري حتى المساء، فهناك دبابات اقتربت من نفح، وانتقل موقع تل الفرس إلى السيطرة السورية، والقوات “الإسرائيلية” اضطرت إلى إخلاء مواقع ثم إعادة تنظيم دفاعها بمساندة الاحتياط.
لم تستول القوات السورية على نفح، ولم يتوسع الاختراق بالوتيرة نفسها في كل القطاعات، لكن الجيش السوري نقل القتال من خطوط التحصين إلى محيط مركز “القيادة الإسرائيلي”، وأجبر سلاح جو العدو على تحويل عملياته إلى الجبهة السورية، وأبقى عددا من المحاور مفتوحة أمام قواته.
كما استمرت التحركات السورية حتى واجهت احتياطا “إسرائيليا” متزايدا؛ ثم بدأ الهجوم “الإسرائيلي” المضاد الواسع في 8 تشرين، ما يحدد نهاية مرحلة التقدم السوري الأوسع ولا يلغي ما حققته القوات في اليومين الأول والثاني.
قيمة اليوم الثاني في إثباته أن التفوق “الإسرائيلي” لم يمنع القوات السورية من الوصول إلى نقاط شديدة الحساسية، وأن المعركة على الأرض المحتلة لم تكن نزهة عسكرية محسومة سلفا.
جبهة الجولان: من خطوط التحصين إلى محيط مركز القيادة
محاور التقدم السوري، ومعسكر نفح، وتل الفرس، وكلفة عملية «دوغمان 5 ب» على الطرفين
الخط الزمني لنهار 7 تشرين
اضغط على أي حدث لعرض تفاصيله
حصيلة عملية «دوغمان 5 ب» على الدفاع الجوي السوري
الأرقام كما توردها المصادر الإسرائيلية الرسمية، من أصل 25 بطارية استُهدفت في الجولان
تقر الأرقام الرسمية الإسرائيلية نفسها بأن منظومة الدفاع الجوي السورية بقيت فاعلة بعد الهجوم، ما حدّ من قدرة إسرائيل على توفير غطاء جوي مريح لقواتها البرية في يوم احتاجت فيه إلى وقف تقدم الدروع السورية.
حالة المحاور عند نهاية اليوم
أربعة محاور، أربع نتائج مختلفة
محور نفح · الفرقة المدرعة الأولى
وصلت الطلائع إلى كفر نفح ومحيط المعسكر، وأُجبرت القيادة على إخلاء الموقع ثم العودة إليه. لم تسقط نفح، لكن القتال انتقل إلى محيط مركز القيادة.
محور حوشنية · اللواء 51
تحرك اللواء 51 من جهة حوشنية وبقي مصدر ضغط على القطاع، وساهم في إبقاء عدد من المحاور مفتوحة أمام القوات السورية حتى المساء.
محور كودنة · اللواء 43
أوقفه كمين «تايغر» قرابة الرابعة فجرا. منع الكمين اللواء من تنفيذ الالتفاف المخطط عبر ممر القنيطرة باتجاه نفح، وحمى الجبهة من تهديد إضافي.
تل الفرس · اللواء 46
انتقل الموقع إلى السيطرة السورية مساء 7 تشرين واستُخدم في أعمال المدفعية، قبل أن تستعيده إسرائيل بعد يومين. قيمة الموقع في الرصد والنيران لا في مساحته.

