معركة على محورين
تبدل وضع الجبهة السورية في 9 تشرين الأول 1973، حيث دخلت “القوات الإسرائيلية” المعركة وهي تحاول توسيع ما حققته في الجنوب والوسط، بينما سعت القوات السورية إلى وقف هذا الضغط وإعادة فتح الطريق نحو القنيطرة من الشمال.
حمل هذا اليوم مسارين متزامنين، فمن جانب هجوما “إسرائيليا” منظما لتضييق الجيب السوري حول الحصينية، وهجوما سوريا مضادا في القطاع الشمالي.
حشدت “إسرائيل” الفرق المدرعة وبدأ تنسق حركتها حول مواقع سورية متقدمة، فيما حاولت دمشق نقل الضغط إلى قطاع آخر، حيث لم يكن “الإسرائيليون” حسموا معركة السيطرة على الجولان الشمالي.
كما تفيد وثيقة أميركية أُعدت في ذلك اليوم بأن القتال كان شديدا، لكنه لم ينته باختراق حاسم لأي من الطرفين.
الحصينية: ضغط من أكثر من اتجاه
في الجنوب والوسط، واصلت الفرقتان “الإسرائيليتان” 146 و210 الهجوم على القوات السورية في نطاق الحصينية.
توضح رواية “وزارة الدفاع الإسرائيلية” أن الخطة توزعت على محاور متقاربة، فتقدمت وحدات نحو تل الجوخدار وتل الفرس، وضغطت وحدات أخرى بين تل الفرس والحصينية، فيما استهدفت قوة ثالثة مواقع سورية في تل تليع ثم تحركت نحو الحصينية وتل فزرة، حيث كان مقر قيادة الفرقة المدرعة السورية الأولى.
اختيار هذه النقاط كان دقيقا، فالتلال والطرق المتصلة بها كانت تتحكم في حركة الآليات والإمداد، والسيطرة عليها تسمح بتضييق المجال أمام القوات السورية، كما كلفت “إسرائيل” اللواء 179 بالضغط على محور يهودية ودفع القوات السورية شرقا، ثم أضافت اللواء 679 إلى العملية، ما عزز حركة التطويق من الشمال.
بحلول المساء، وصفت الرواية الإسرائيلية القوات السورية في القطاع بأنها تراجعت إلى جيب حول الحصينية، مع تعرضها لخطر الحصار.
هذه الوقائع تسجل تراجعا سوريا واضحا في جزء من الجبهة، فالقوات “الإسرائيلية” استعادت مساحة من الأرض التي دخلتها القوات السورية في الأيام الأولى، وأحكمت الضغط على الوحدات السورية في الجنوب والوسط.
رغم ذلك فالمعركة لم تُحسم وتشير التقارير إلى أن القيادة الإسرائيلية لم تكن تتعامل مع خصم يسهل هزيمته.
الهجوم السوري في القطاع الشمالي
في الوقت الذي كانت فيه القوات الإسرائيلية تضيق الخناق جنوبا، شن الجيش السوري هجوما كبيرا في شمال الجولان، في المنطقة الواقعة بين جبل الشيخ وجبل الشيخيت والقنيطرة.
ووفق المعطيات المنشورة فإن عمليات القوات الخاصة السورية تحركت من محورين، شمالي وشرقي، وباستخدام عدة تشكيلات، بهدف الالتفاف على “القوات” الإسرائيلية التي أوقفت التقدم السوري في القطاع الشمالي، كما استهدفت القوات السورية الوادي بين جبل الشيخيت والقنيطرة.
لم ينجح الهجوم في إزاحة القوات الإسرائيلية من مواقعها الشمالية، لكن أهميته العسكرية في أنه أجبر “إسرائيل” على القتال في أكثر من قطاع، وهدد مواقعها من اتجاه غير متوقع، فيما كان الهجوم “الإسرائيلي” في الجنوب يحتاج إلى تركيز المدرعات والاحتياط.
تحولت القوات السورية من محاولة استعادة المبادأة على محور واحد إلى توزيع الضغط على جبهة أوسع.
الإنزالات خلف الخطوط
رافق الهجوم الشمالي تحرك سوري لافت تمثل بإنزالات جوية لقوات كوماندوس خلف “المواقع الإسرائيلية”.
تقول دراسة جوزيف برغر والعقيد المتقاعد من الجيش الإسرائيلي بيزاح مالوفاني إن القوات السورية نفذت ثلاثة إنزالات منفصلة في صباح 9 تشرين الأول، بينما كانت الرواية الإسرائيلية تعرف سابقا بإنزال واحد قرب مفرق نفح.
وتربط الدراسة مواقع الإنزال بكمائن تعرضت لها دورية استطلاع تابعة للواء المدرع السابع ودبابات من اللواء 679، وتقول إن مواد سورية ومقابلات مع مشاركين دعمت وقوع أحد الإنزالات قرب واسط.
تكشف هذه العملية عن محاولة سورية لاستهداف الحركة في عمق الجبهة، فالإنزال خلف “القوات الإسرائيلية” يمكن أن يربك الاستطلاع، ويهدد طرق الحركة، ويفرض على الوحدات المدرعة الانتباه إلى مؤخراتها، فأضاف تحديا تكتيكيا إلى جبهة كان “الإسرائيليون” يريدون تركيزها على المحور الجنوبي.
ما الذي حسمه اليوم، وما الذي بقي مفتوحا؟
كان ميزان الأرض في الجنوب يميل لمصلحة “إسرائيل”، بينما ظلت النتيجة في الجولان كله أقل وضوحا.
وثيقة الاستخبارات المركزية الأميركية لذلك اليوم تحدثت عن قتال ثقيل ومتقلب، من دون اختراق حاسم، وسجلت قلقا “إسرائيليا” متزايدا من نقص ذخائر الدبابات والمدفعية والخسائر المتراكمة.
أما التراجع السوري حول الحصينية فكان خطيرا، لأنه هدد القوات المتقدمة بعزلها عن طرق الانسحاب والإمداد، وتذكر “وزارة الدفاع الإسرائيلية” أن الوحدات السورية في الجيب واجهت احتمال التطويق، وأن الهجوم استمر في اليوم التالي.
لكن بقاء القوات السورية في الشمال، واحتفاظها بموقع جبل الشيخ في تلك المرحلة، يعنيان أن إسرائيل لم تنه المعركة على جبهة واحدة، وأنها لم تستعد كل المواقع التي خسرتها خلال الهجوم الأول.
صمود تحت ضغط متصاعد
من زاوية سورية، لا يُختزل اليوم الرابع في خسارة الأرض حول الحصينية، كما لا يصح تحويل الهجوم الشمالي والإنزالات إلى انتصار لم يتحقق.
القوات السورية واجهت تفوقا “إسرائيليا” متزايدا في الحشد والتنظيم جنوبا، لكنها ردت بفتح جبهة ضغط في الشمال، واستخدمت الكوماندوس لمحاولة تعطيل حركة القوات “الإسرائيلية” خلف خطوطها.
لم توقف هذه الإجراءات الهجوم المضاد، لكنها أظهرت أن القدرة السورية على المبادرة لم تنته مع تراجعها في محور بعينه.
الدرس الأهم أن صمود الجبهة لا يعني ثبات كل موقع، بل استمرار القدرة على القتال بعد تبدل ميزان المبادأة، وفي 9 تشرين الأول، خسر السوريون أرضا في الجنوب والوسط، وواجهوا خطر التطويق حول الحصينية؛ وفي الوقت نفسه ظل الشمال مسرحا لهجوم مضاد واسع، وبقي جبل الشيخ خارج السيطرة الإسرائيلية.
جبهة الجولان | 9 تشرين الأول 1973
اليوم الرابع: ضغط إسرائيلي جنوبا وهجوم سوري شمالا
اختر أحد المحاور لعرض أبرز تطورات اليوم. يوضح الرسم تزامن تقلص المواقع السورية حول الحصينية مع محاولة سورية استعادة المبادرة في القطاع الشمالي.
تضييق الجيب السوري حول الحصينية
واصلت الفرقتان الإسرائيليتان 146 و210 الهجوم في الجنوب والوسط، مع تحرك وحدات مدرعة عبر التلال والطرق التي تحيط بمواقع القوات السورية.
النتيجة في هذا المحور: تقلصت مساحة السيطرة السورية في الجنوب والوسط، وتراجعت القوات باتجاه الشرق تحت ضغط خطر الحصار.
هجوم سوري مضاد ومحاولة إرباك المؤخرة
شن الجيش السوري هجوما في القطاع الشمالي، في المنطقة الواقعة بين جبل الشيخيت والقنيطرة، في محاولة للالتفاف على القوات الإسرائيلية وإعادة الضغط على مواقعها.
حدود التحقق: تختلف الروايات حول عدد مواقع الإنزال وتفاصيلها؛ لذلك ينسب الرسم هذه الجزئية إلى الدراسة التي وثقتها.
يوم تراجع موضعي بلا حسم شامل
الخلاصة: خسر السوريون أرضا في الجنوب والوسط، لكن الجبهة لم تنهَر؛ ظل الشمال ساحة قتال، وبقيت القوات السورية قادرة على شن هجمات مضادة.
الرسم تخطيطي تحليلي، وليس خريطة للمواقع أو المسافات.

